تائه بين فلكين
الثلاثاء، ٦ مايو ٢٠١٤
يُخلقُ الشخص منا كيساً مفرغ المحتوى، لا يُحسن إلا أن يدفع الهواء من رئتيه خلال حباله الصوتية عند قلقه ووجعه، ويمتص الحلمة ليعيش.
وفي سنواته الأولى يتدرج في امتلاك بقية أدواته، وعبور فلكه الشخصي الصغير بشكل سلس حميم يجعلهُ بالكاد لا يتساءل: من أنا، أو من هم أهلي. الوضوح يغمره بالسعادة، فكأنهُ كوكبٍ يعبرُ فلكهُ الأول دون مجهود خارق، فلا يتباطأ في حركتهِ، ولا يخرجُ عن مدارهِ تائهاً، ولا يرتد منعكساً عن حدودِ أفقه الصغير، ولا تصيبهُ الحيرة، أو الخوف، أو الشك في صحةِ تساؤلاته عن مكوناتِ هذا الفلك، ولا فيما يصل إليه من تفسيراتٍ وتأكيداتِ.
ثم، وبعد مرور بضع سنوات يرتقي طموحه فيأخذه لمراحل أعلى وأشمل، عابراً للمدار الأعظم، فيبادر بالتساؤل عن كُنهِ الخلق والوجود، والكون، والإله، ويكون له عدد لا متناهٍ من الأسئلةِ الطفولية، التي تكبُر معه، فيعرُج في سماواتِ مراحل من الحيرةِ، والغموض، والتساؤلات، والتي لا تلبث أن تتبدد مع الوقتِ، بجهود أقرب ذويه القائمين على تربيتهِ، ممنَّ يوضحون له البواطن والخوافي، ويفسرون له «بحدود أفكارهم» ويفككون في مخيلتهِ عُقد أغلب التساؤلات.
ومن خلال عبوره لكلا الفلكين، فإن وجود الأهل المحبين، والمعلمين الحريصين بحب متدفق -لا ينتظر الثمن- ضروري جداً لسلاسة وثقة عبوره، وراحته بعد ذلك، فلا يعود يقلق، ولا يغلبه التشتت، ولا الخوف.
وتخيلوا معي الإنسان «اللقيط» وكيف أنَّه ودون جريرة اقترفها يبدأ مشواره وحيداً تتشكل معاناته منذ أيام عُمره الأولى، فيفتقد الحضن، والحب، والدليل، والصدق، ولا يتمكن من عبورِ فلكهِ الأول بشكلٍ طبيعي، بل إنَّه يجبر على تجرع حِيرته المُرة وتساؤلاته، التي تبقى من دونِ إجابات، فيكون مساره بطيئاً متعرجاً لا يكاد يلامس الفلك الأول، وتكبر معه أسئلته عن كنههِ ومنشئه، دون توصله إلى إجابات شافية. وقد يتوه كوكبه، ويضطر بعظيم مخاوفه للانتقال إلى الفلك الأعلى دون عبور الفلك الأصغر، فيجد نفسه معلقاً، تائهاً بين المدارين، لا يعرف كيف يستجمع قدراته للعبور من أيهما.
وقد يعبر الفلك الأكبر بالكامل، وكوكبه لما يزال تائهاً في الفلكِ الأول، وهذا يخلق في جوفه شخصية متخبطة مرتعبة لا تثق بما توصلت إليه، فتحبط من استحالةِ تكسير حجب الغموض، وتبديد الكذب، في محاولاتٍ يائسة لعبور ذاته من فلكِ الكينونة الصغرى.
وهنا تكمن المعضلة، التي قد تخلقُ بيننا شخصيات مشتتة، أو منحرفة، وغير مستقرة نفسياً.
وملاجئ الدولة أقرب للسجون منها للإصلاحيات، والعاملون بها يفتقدون للكثير. وهنا يقع على الدولة بكامل أجهزتها مسؤولية التحرك السريع لترميم شخصيات اللقطاء بتبديل جميع قوانين الإيواء، وتسهيل عمليات الكفالة، وتدريب القائمين على رعايتهم للقيام بأدوار إنسانية أكثر تأثيراً، وإخلاصاً، وتوطين المجتمع عموماً لتقبل واستيعاب هذه الفئة الحائرة بقلوبٍ تعرف حقيقة الإيمان والمحبة والإحسان.