ما يريده الأمريكيون في سياسة بلادهم الخارجية

لفهم حقيقة شعور الرئيس الأمريكي باراك أوباما حول إحباطات سياسته الخارجية في عالم يفتقر إلى التعاون، انظروا فقط إلى ردة فعله الغاضبة على سؤال من صحفي في قناة (فوكس نيوز) الأسبوع الماضي. سأله الصحفي عما إذا كان النقاد على خطأ عندما قالوا إن وضع أمريكا العالمي يمكن وصفه بأنه «ضعيف»؟..الرئيس أوباما أجاب «معظم المهتمين بالسياسة الخارجية الذين يشككون بسياساتنا يتجهون بسرعة إلى مجموعة من المغامرات العسكرية. مؤيدو ما أرى أنه قرار كارثي بدخول العراق لم يتعلموا درس العقد الماضي، وهم مستمرون في لعب نفس النغمة مرات ومرات»، عوضا عن ذلك، قال الرئيس أوباما إنه يحاول أن «يحقق بثبات مصالح الشعب الأمريكي» دون استخدام القوة. وأضاف الرئيس أوباما «قد لا يكون ذلك جذابا دائما، لكنه يتجنب الأخطاء». لكن هناك مشكلتين فيما قاله الرئيس الأمريكي. المشكلة الأولى أن معظم الذين ينتقدونه لا يطالبون بأن يدخل الحرب في سوريا أو أوكرانيا. صحيح أن بعضهم يقولون إن الولايات المتحدة يجب أن ترسل أسلحة إلى الجيش الأوكراني والمتمردين في سوريا، لكن ذلك ليس معناه التسرع في الذهاب إلى الحرب. المشكلة الثانية هي أن الرئيس تفادى التذمر الرئيس للنقاد: إن تجنبه لاستخدام أي شكل من أشكال التدخل العسكري، حتى التدخل غير المباشر، زاد من جرأة الأشرار، أمثال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس السوري بشار الأسد. هذا مصدر مشروع للقلق، ومعظم الناس يبدو أنهم يشاركون فيه، بحسب استطلاع أخير للرأي.
صحيح أنه بعد العراق وأفغانستان فقد الأمريكيون شهيتهم لمزيد من المغامرات العسكرية. وقد بين استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث مؤخرا في العام الماضي أن 52% من الأمريكيين يريدون أن «تهتم الولايات المتحدة بشؤونها» في الخارج، وهي أعلى نسبة تؤيد تلك المقولة منذ طرحها لأول مرة في 1964، لكن هناك تناقضا في استطلاعات الرأي تلك: نفس الناس الذين يريدون البقاء بعيدا عن التدخلات الخارجية يعتقدون أن الرئيس لا يؤدي عملا جيدا في السياسة الخارجية..
ما سبب التناقض الواضح؟
يعتقد بعض الخبراء أن الأمريكيين يعانون من صراع نفسي. فهم ربما يريدون سياسة أمريكية ضيقة تهتم بالداخل الأمريكي، لكنهم ليسوا فخورين بمثل هذه السياسة، وهم ليسوا سعداء أن أوباما قدم لهم ما يريدون..لكنني أعتقد أن التفسير أبسط من ذلك: صحيح أن الأمريكيين يريدون البقاء بعيدا عن التدخلات الخارجية، لكنهم يريدون أيضا أن يروا أن السياسة الخارجية لبلدهم تحقق نجاحا. ومهما كان الرئيس أوباما يفعل، فإن سياسته الخارجية لا تحقق نجاحا. روسيا لا تزال تهدد أوكرانيا. سوريا لا تزال غارقة في الدماء. وساطة وزير الخارجية جون كيري بين الفلسطينيين والإسرائيليين يبدو أنها محكوم عليها بالفشل.
السياسة الخارجية لإدارة أوباما لم تكن ناجحة. تبين أن العالم أكثر تعقيدا وقسوة مما كان الرئيس الأمريكي يعتقد، لكن المشكلة الآن هي أن أوباما لم يضع استراتيجية جديدة واضحة بدلا من السياسة السابقة التي تبين عدم صلاحيتها.
بما أن سياسة التدخل الخارجي قد تعثرت وانهارت، فإن أقوى رسالة أمريكية للسياسة الخارجية الأمريكية هي فك الارتباط، وذلك يجب أن يتعدى العراق وأفغانستان. أوباما كان واضحاً وبليغا حول الأمور التي لا يريد أن يفعلها: الانزلاق نحو التدخل في سوريا، إرسال قوات أو إمدادات عسكرية إلى أوكرانيا، ولكن ماذا يريد أن يفعل؟ ذلك ليس واضحا بنفس القدر.
لا يزال من الممكن أن تنجح السياسة الخارجية لإدارة أوباما، ولو كان احتمال ذلك ضعيفا، إذا تم التركيز على تفادي الأخطاء.
ومن الممكن أيضا اتباع السياسة التالية للتعامل مع المشاكل الرئيسة التي تواجهها الولايات المتحدة حاليا على الصعيد الدولي. بالنسبة للأزمة الأوكرانية، إذا نجحت العقوبات الاقتصادية في إقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعدم إرسال قوات عسكرية إلى داخل أوكرانيا، سيكون ذلك نجاحاً بأقل التكاليف الممكنة. وبالنسبة للملف النووي الإيراني، إذا نجحت المحادثات مع إيران في إنتاج اتفاقية نووية، سيكون ذلك نجاحا رئيسا بارزا. أما بالنسبة للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين فلم يكن أحد يعتقد في الواقع أن جون كيري كانت لديه أي فرصة في النجاح، لذلك بقي الرئيس أوباما شخصيا بعيدا عن ذلك المسار.
ولكن إذا كان الرئيس أوباما يريد الأمريكيين أن يُعجبوا بسياسته الخارجية الأقل طموحا، وهي في الطريق إلى تلك النجاحات التي لم يتم إنجازها بعد، فإن عليه أن يقدم تفسيرات أفضل من مجرد ردود فعل غاضبة على بعض الصحفيين.