كف اليد

يبدو أنه كما للحقيقة وجوه عديدة، للعدالة أيضا وجوه عديدة، خاصة حينما يندرج الأمر تحت عنوان عريض وتبريري بأنها حوادث فردية. رجل هيئة يلقى القبض عليه في حفل مختلط ولا يخضع لنفس المساءلة والمعاقبة التي يخضع لها شاب ليس من داخل جهاز الهيئة، فذاك يعاقب ويسجن ويجلد، ورجل الهيئة يكتفي بكف يده عن العمل ليس أكثر، ويندرج تحت «حالات فردية»، ومثلها الأحكام المخففة التي حصل عليها الذين قاموا بأعمال تنافي الأخلاق أو الإنسانية، مثل قاتل طفلته، حيث الجميع حصل على فرصة الإفلات من العقاب إما بتعويض، أو بتوجيه اللوم له، أو كف اليد، وهذه الأخيرة آخر ما وصلنا من العقوبات اللطيفة والإنسانية التي يحصل عليها فقط من ينتمي إلى هذه المنظومة.
أصبح الأمر الآن مقلقا بالنسبة للمواطن تجاه مسألة كف اليد هذه، بحيث لم نعد نفرق بين كف اليد وإفلات اليد. فلم نعد نعلم ما إذا كان ما يصدر من أحكام هو أحكام عرفية أم أحكام شرعية، لما يبدو من الانتقاء بينهما بحسب مقتضى الحال، فإن كان المذنب من منسوبي الهيئة وممن يندرج تحت حوادث فردية فسيكون أقصى ما سيحصل عليه من عقاب هو «كف اليد»، وكف اليد هذه كلمة ذات بعد إنساني كبير لفئة مخصوصة من البشر، من حيث هي نوع من الحكم الموازي لحكم «الستر زين»، فيتم الاكتفاء باللوم ثم كف اليد، وخاصة أن الاكتفاء باللوم أصبح أحد الأحكام المتبعة في ظاهرة القضايا الفردية للفئة المخصوصة، والتي يرجى منها العودة للصواب والتوبة عن الآثام، بخلاف من يقع عليهم عقوبات مغلظة، فلا قانون «حالات فردية» يحميهم، ولا قانون «الستر زين» يُمكن لهم، ولا «كف اليد» ينطبق عليهم.

almoshi.s@makkahnp.com