"ستفتّش عنها يا ولدي"!
الاثنين، ٥ مايو ٢٠١٤
تحاول أن تقول لي هذه السيدة العجوز، حينما رأتني أمام خانها المنفي خارج المدينة: «لا تقعد هكذا، تحتضن ركبتيك وتُشبِّك أصابع يديك.. انطلق.. ألق بهمومك خلفك، هذا كل ما في الأمر»!
انتزعت ضحكة بلا روح، أحاول أن أغادر منطقة السأم: «أخشى أن أقذف بهمومي خلفي فتصيب رأس هذا الذي يتبعني.. لعلي إن أصبته أنتفع بنصيحتك يا سيدتي».
تلك كانت واحدة من حالاتي -لا أقول أزماتي حتى لا تنفش ريشها- هي حالة يمكن أن تعتري أي إنسان إن لم يجد من يرُدّ عليه الصوت.
أستطيع أن أُسدي بعض النصائح لغيري، لكنني لن أنتفع بها (أنا) إلاّ حينما أسمعها من آخر، أهضمه ويهضمني.. ها هو أحدهم يُحبطني: «ستفتّش عنها يا ولدي في كل مكان.. وستسأل عنها موج البحر، وتسأل فيروز الشُّطآن»..
هه.. كيف أُفتش عن من لا أعرف؟
خُرافة وعرّافة.. أنجذب إلى هذا الغموض «بعض الوقت» ربما ليخرجني من عالم ما كنت أُحبه «كل الوقت»!
مسألة «الهضم» هذه كثيرًا ما جعلتني أتنازل عن وجبة العشاء.. أنت لا تستطيع دائمًا أن تُقبل على طبق يضعه النادل على طاولتك، ويمضي بعد ابتسامة «مستنسخة» يصرفها لكل من يجلس إلى طاولة في هذا الخان، وسيدفع فاتورتها مع «البخشيش».
....
انصرفت السيدة العجوز، أو لعلها توارت خلف ركام خطراتي.. أطلقت ركبتي.. وفككت تشابك أصابعي..
لم تعد «ذابلة» أنوار الشوارع.. لمعت الأرصفة التي غسلها المطر، واستطالت ساقاي أكثر.. ما عدت أفكر في أن أقذف أي شيء خلفي أو أمامي.. وما عاد يهمني هذا الذي يمشي هنا أو هناك..
يمكنكم -إن أردتم- أن تركضوا مثلي على هذا الرصيف النظيف، فالشارع ليس لي وحدي على كل حال!