يجب إعطاء بوتين فرصة أخرى
الأحد، ٤ مايو ٢٠١٤
إن تفكك الاتحاد السوفيتي دون حرب أهلية منذ ربع قرن، وتوجه روسيا فيما بعد نحو اقتصاد السوق، وانضمام أوروبا الشرقية إلى الاتحاد الأوروبي حقائق تعتبر هدية تاريخية. اللاعبون المشاركون في أزمة القرم يجب أن لا يضيعوا مثل هذه الهدية.
قيام روسيا بضم شبه جزيرة القرم هو بالتأكيد انتهاك للقانون الدولي. هذه المنطقة تخلت عنها روسيا لأوكرانيا في 1954 عندما كانت جزءا من الاتحاد السوفيتي، وبقيت جزءا من أوكرانيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في 1991. إعادة رسم الحدود من قبل طرف واحد لا يمكن قبوله في أوروبا. ولكن يجب أن نتذكر أن الأزمة الحالية أثارها الغرب. الاقتراحات التي كان حلف الناتو يقدمها لجورجيا، مولدافيا، وأوكرانيا في السنوات الأخيرة كانت عمليا تهدد بتطويق الأسطول الروسي في البحر الأسود في الميناء غير الجليدي الوحيد الذي تحت تصرف البحرية الروسية.
إذا كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما يعتقد أن روسيا ليست سوى قوة إقليمية يجب أن تقبل بهذا الوضع فهو مخطئ. روسيا احتجت بنفس الشدة التي احتجت فيها الولايات المتحدة خلال أزمة الصواريخ الكوبية. موسكو استخدمت استفتاء كأداة في شبه جزيرة القرم، لكن الوضع كان يمكن أن يكون أكثر بشاعة. بعد قيام ألمانيا بقتل ملايين الروس في الحرب العالمية الثانية ومن ثم الاستمتاع بإعادة الوحدة بشكل سلمي لأراضيها بفضل الدعم الروسي، من واجب ألمانيا بشكل خاص أن تخفف من حدة التوتر وتنزع فتيل الصراع مع روسيا. لكن بعض المتشددين في واشنطن وبروكسل وموسكو يبدو أن لديهم أجنداتهم الخاصة بهم. من الجيد أن الحكومة الألمانية الفيدرالية تحاول أن تلعب دورا معتدلا، وفي نفس الوقت تحرص على أن لا تعرض تماسك التحالف الغربي للخطر.
لو أن روسيا كانت تخطط لضم مناطق أخرى، لكان علينا أن نرد بتطبيق عقوبات عليها. لكننا يجب أن نتقدم بحذر: ليس هناك طرف عاقل يستطيع أن يؤيد زعزعة الاستقرار الاقتصادي لروسيا ودخول حرب تجارية. روسيا تعاني حالياً من هروب رؤوس الأموال. البلد يعتمد بشكل كبير على الغرب بشكل أكبر بكثير من اعتماد الغرب عليه –بالرغم من حقيقة أن بعض الدول الأوروبية، ألمانيا بشكل خاص، تحصل على ثلث نفطها وغازها الطبيعي من روسيا. نحو 60% من الصادرات الروسية تذهب إلى الاتحاد الأوروبي، بينما تذهب 7% فقط من صادرات الاتحاد الأوروبي إلى روسيا. زعزعة اقتصاد روسيا سيدفعها إلى التطرف ويعيد العالم إلى الحرب الباردة. الحرب الأهلية الأوكرانية التي تم تجنبها في 1991 ستعود أيضا إلى قائمة السيناريوهات المحتملة.كيف يمكن جعل تكلفة أي محاولة ضم جديدة تفكر فيها روسيا مرتفعة وتقوية فرص العثور على حل سلمي، دون أي ضرر على روسيا أو أوكرانيا أو الاتحاد الأوروبي؟ الإجابة هي في عرض اتفاقية تجارة حرة على أن تكون روسيا وأوكرانيا جزءا من اتفاقية دولية جديدة حول مستقبل أوكرانيا.
في 2010، اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إقامة منطقة تجارة حرة تمتد من لشبونة إلى فلاديفوستوك. ماذا حدث؟ عمل الاتحاد الأوروبي على اتفاقية تجارة حرة مع جورجيا، مولدافيا، أوكرانيا، وأرمينيا عوضا عن ذلك. هذا زاد من توتر موسكو لأن الاتفاقية شكلت ضمنا تهديدا للحواجز الجمركية بالنسبة لروسيا.
التجارة الحرة مع بلد يختص بالسلع، مثل روسيا، تكمل اختصاص الغرب في التصنيع، وتحقق مكاسب تجارية ستكون أكبر بكثير من فوائد التجارة بين اقتصادات متشابهة فقط. السياسيون في الاتحاد الأوروبي يتفاوضون حاليا على اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة، والتي ستفيد جميع البلدان ذات العلاقة. لكن ضم روسيا إلى اتفاقية تجارة حرة قد تكون منجم ذهب حقيقيا لجميع الأطراف. مثل هذه الاتفاقية تمكن تخصص وتقسيم العمالة، والتي تعتبر مصدر الازدهار.
ألمانيا ليست لديها سياسة محددة تجاه روسيا حتى الآن، مع أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تفهم جيدا روسيا وقادتها وسياستها. من أجل الحفاظ على السلام في أوروبا، آن الأوان أن تتبنى برلين استراتيجية تقنع من خلالها الاتحاد الأوروبي بإقامة علاقات جوار جيدة مع روسيا وأوكرانيا وباقي الدول الموجودة بين تكتلات القوى. في حال تحقق الاستقرار السياسي، فإن عرض اتفاقية تجارة حرة بين روسيا والغرب سيحافظ على السلام، ويحقق فائدة اقتصادية لأوروبا ويدفع بشكل فعال إلى الأمام سياسة “التغيير من خلال التقارب” التي طبقها بنجاح لأول مرة المستشار الألماني الغربي السابق وليام براندت مع ألمانيا الشرقية.