600 ريال لتهريب المتسول من اليمن لمكة
الجمعة، ٢ مايو ٢٠١٤من داخل القرى في العمق اليمني، وحتى مواقع مختارة على إشارات المرور ومداخل المساجد في المدن السعودية، يتمدد سيناريو البؤس بأبطاله في العوالم السفلية، بعد أن كتبت عليهم الأقدار التعاسة وشظف العيش، يبدأ بالاختطاف أو البيع وحتى إيجار بني البشر للخدمة في «سؤال الناس إلحافا»، ثم العودة بعد حين بـ»الغلة«، كل بحسب دوره.
600 ريال، تمثل قيمة الرحلة التي تستغرق 3 أيام، يتنقل المتسللون من المتسولين في جزء منها بالأقدام على مدى ساعتين عبر طرق وعرة يصعب على المركبات ارتيادها، لتتلقفهم مركبات المهربين لاستكمال وجهتهم حتى نهايتها، حيث تتكشف مأساة أطفال ويافعين غصبتهم عصابات ومستأجرون لمد يدهم تسولا ثم اقتسام ما يجمعونه مع رؤساء عصابات التسول في مواقع مختلفة.
الطفلة الرهينة
طفلة لم تتعد الرابعة عشرة من عمرها، تبدو أصابع يديها وقد تساقطت أطرافها من شدة المرض، كانت برفقة أربعيني، يدعي أنه والدها، يتسولان بدعوى علاجها، يتنقلان من مكان إلى آخر هربا من الأعين التي اعتادت رؤيتهما. يشير الرجل الذي رمز إلى اسمه بـ«محمد» إلى أنه ظل يتسول منذ عدة سنوات.. أخرج أوراقا، ومد يده بها.. فثبت أنها غير نظامية، ولا أوراق بينها تشير إلى نسب الطفلة، كما لا يحمل أي تقارير طبية توضح حالة الطفلة ولا أدوية طبية.
وتحدث المتسول الأربعيني عن رحلته من قريته في اليمن مصطحبا الطفلة إلى أن وصل إلى مكة المكرمة، قال «أخذت طفلتي من قريتي لعلاجها في المستشفيات السعودية، بعد أن أحصل على المال من خلال المحسنين في المساجد وعند رجال الأعمال، فالعلاج يكلف مبلغ 53 ألف ريال، بحسب إحدى المستشفيات المتخصصة في جدة»، وأضاف «أحتاج علاج ابنتي وقطعت بسبب ذلك 3000 كلم من قريتي في حجة، وصولا إلى حرض، وإلى جازان، فصامطة، ولحد، والدرب، إلى مكة المكرمة». وعن تجاوزه الحدود السعودية اليمنية أفاد «هناك طريق جبلي يقطع الحدود دون وجود للشرطة، إلا أنه تم استيقافي من قبل بعض رجال الأمن عند إحدى النقاط، وطلبوا أوراقي، فأبلغتهم أن قدومي من اليمن بسبب علاج طفلتي، فما كان منهم إلا أن تعاطفوا معي وتركوني أكمل طريقي».
«محمد» يحمل كرت مراجعة من إحدى المستشفيات في محافظة جدة منذ 10 سنوات، حيث يدعي أنه عرض عليهم الحالة، إلا أنه من خلال اعترافاته لـ»مكة» أكد أنه تردد على مكة المكرمة عدة مرات من أجل التسول بحالة الطفلة لجمع الأموال والعودة مرة أخرى إلى قريته.
استئجار الأطفال
مصدر مسؤول في لجنة مكافحة التسول تحدث عن بعض المخططات التي تقودها «مافيا التسول» - على حد تعبيره- قاطعا بأنها عمليات بيع واستئجار للأطفال من بعض القرى قبل وصولهم إلى مكة المكرمة، حيث يتم دفع مبالغ تتراوح بين 2000 إلى 3000 ريال للأسر التي لديها أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة بغرض استئجارهم للتسول خلال فترة محددة، ودفع مبلغ أكبر إذا زادت الأيام.
وأضاف أن الإحصاءات السابقة تدل على أن عدد المتسولين بالأطفال زاد بعد «حرب الحوثيين» ويعود ذلك إلى ارتفاع نسبة الفقر في تلك الدول، حيث يستغلون الأطفال الرضع وإلى عمر 14 عاما للتسول بهم خلال فترات الصيف وموسمي رمضان والحج، مضيفا أن المتسولين من اليمن يحتلون المرتبة الأولى، يليهم النيجيريون وبعدهم البرماويون فالباكستانيون.
لجنة المكافحة
المتحدث الإعلامي لفرع وزارة الشؤون الاجتماعية بمنطقة مكة المكرمة أحمد الغامدي أشار إلى وجود لجنة مشكلة من عدة جهات حكومية تعمل على مكافحة التسول، تتخذ الإجراءات النظامية ضد كل مخالف، وبالنسبة للأجانب يتم القبض عليهم من خلال اللجنة، أما السعودي فتتم متابعة حالته ودراستها، وتقديم كافة أنواع الدعم له حال تبين أنه فعلا محتاج، أما إذا ثبت أنه محتال، فيتم اتخاذ الإجراءات النظامية ضده لينال عقابه.
اتجار بالبشر
فيما رأى عضو جمعية حقوق الإنسان بمكة المكرمة، مدير مركز الدراسات الإسلامية في جامعة أم القرى، الدكتور محمد السهلي أن هناك سببان جوهريان لانتشار هذه الظاهرة، أولهما الوازع الديني لدى المواطنين والمقيمين في حب الخير، والذي يقودهم إلى دفع الأموال لهؤلاء المتسولين على غير تأصيل شرعي، أما السبب الآخر فهو عدم اهتمام الجهات المسؤولة بمكافحتها بالشكل المطلوب.
وأضاف أن هذه الظاهرة مخالفة لحقوق الإنسان من خلال الاتجار بالبشر، وانتهاك حقوق الأطفال، ومخالفتها المعاهدة التي وقعتها السعودية في هذا الشأن، وبالتالي فهي جريمة تستوجب إيقاع أشد العقوبات على مرتكبيها.