شبة عرعر شفرة تتناقلها الأجيال
الخميس، ٢٢ يناير ٢٠١٥
ربما بحساب السنين تبدو عرعر حديثة نسبيا، إذ يرجع إنشاؤها إلى عام 1369، وذلك على إثر مرور خط أنابيب الزيت «تابلاين»، ولكن استنادا إلى ذاكرة الموروث الحضاري والمخزون الشعبي، والبعد الثقافي فإن عرعر تضرب لنفسها جذورا عميقة في التاريخ والأصالة، ويظهر هذا الماضي العريق جليا في مجموعة من العادات والتقاليد الجميلة التي ظلت ملازمة لأهالي المنطقة، ويتم تداولها جيلا بعد جيل لتشكل إرثا ثمينا يبعث على الفخر والاعتزاز لأهلها، ويلجم ضيوفها بالدهشة من وافر الكرم، ودفء الضيافة التي ينالونها بينهم.
يبدو أن الكرم في عرعر صفة جينية تنتقل عبر الأنساب والسلالة الطيبة، وعنوانه العريض ما يعرف بشبة الفجر والمساء، وذلك حين يتحلق الرجال في جلساتهم في هذه الأوقات حول القهوة العربية «المحموسة» ذات المذاق الطبيعي الممزوج ببساطة البادية، ونقاء النفوس، فتدور بين السمار عنوانا للكرم ومظهرا للنخوة ومجالا فسيحا لاستحضار الأفكار، واستقبال «العلوم» والأخبار.
والشبة تاريخيا ارتبطت بـ «التعليلة» كل مساء، حيث يجد الضيف مكانته لدى أفراد القبيلة وهو مغمور في بحر كرمهم، ومحاط بسمو خلقهم، ومن هنا كانت مجالس الشبة ميلادا للتاريخ والقصائد وملهمة للقرائح والأفكار والأشعار، فها هم الشعراء قد هتفوا باسم عرعر عند مرورهم بها:بعرعر سما لك شوق بعدما كان قاصياوحلت سليمى بطن قو فعرعراليس هذا فحسب، بل إن عرعر المتوسدة تخوم الشمال تكسوها طبيعة ساحرة للقلب قبل النظر، ويعلوها خلق أهلها وطبيعتهم التي لم تغيرها التكنولوجيا، ولم تطمسها موجات التقنية المتسارعة.
وهنا أيضا كانت وما زالت الأودية الجارية منذ الأزل، والتي تعد شاهدة على الشبة المتنقلة عبر الزمن، حيث تجري من الشرق إلى الغرب أودية، منها وادي المفك وفياض والنعرة وشعفة الظبي وأبا القد وأعويج لوقه وساقي سبع الرجل ووادي المرا الذي يصب في فيضة الهبكة، ووادي البغدادي الذي يقترن بالمركوز، ثم وادي الزعتري الذي يصب قريبا من هجرة الدويد، وكذلك وادي الخر الشهير الممتد من النفود حتى الطقطقانة، ومن بين كل هذا المكون المتعانق في حضن الطبيعة كانت الشبة مجلسا لتآلف النفوس وفيض الكرم ولقاء الأحبة.
يقول الشيخ سليمان العنزي وهو يرنو إلى سنوات عمره المديدة: شبة النار كانت منذ القدم رمزا للكرم والسخاء عند العرب.
وإيقاد النار في الأصل إشارة للترحاب بالضيوف والزوار، خاصة المسافرين منهم ليلا، ومنها جاءت كلمة الشبة، فيقول الشخص الشبة عندنا، هكذا يلتقي الماضي بالحاضر في عرعر لينسجا معا بساطا مريحا للكرم والسمر واستقبال الضيوف في هزيع الليل.