مطارق اللصوص

في أقل من شهر، استيقظ المجتمع الخليجي مفجوعا مرتين على وقع حادثتي اعتداء وحشي تعرضت لهما أسرتان من دولة خليجية، تعارف الناس على هدوء شعبها واتزانه وانضباطه في الداخل والخارج. الحادثة الأولى استهدفت ثلاث نساء شقيقات، في فندق كمبر لاند – مقر إقامتهن في العاصمة البريطانية لندن، نفذها على غفلة شخص مجهول انتهى فعله الإجرامي بهن في المستشفى بعد تعرضهن للضرب المبرح بمطرقة هشمت رؤوسهن. وفي تفاصيل الحادثة الأخرى -وفقا لما تم نشره- وهي الثانية من نوعها، أن عصابة مكونة من سبعة أشخاص ملثمين اقتحموا شقة أسرة خليجية في أحد أحياء لندن وكانوا يحملون مطارق وسكاكين ومسدسات استخدمت في تهديد أفراد الأسرة، لهدف الاستيلاء على ما لديهم من أموال ومقتنيات، وقد «تمكنت العصابة من سرقت النقود التي عثرت عليها بالشقة بالإضافة إلى بعض المجوهرات وبطاقات الائتمان». وما زال البحث جاريا عن مرتكبي الجريمتين!
في السنوات الماضية أسهم تأزم الأوضاع الأمنية في بعض الدول العربية التي كانت من مقاصد السياحة ومحطاتها لغالبية الأسر الخليجية في تحويل الوجهة إلى لندن بشكل ملحوظ، ولندن كما عُرفت وجهة سياحية يقصدها الخليجيون ويخصونها بالتفضيل منذ الستينات مثلها مثل القاهرة وبيروت، وهم في كل الأحوال يشكلون قوة شرائية أينما ذهبوا، وفي هذا ما فيه لهم وعليهم، وتبقى العلة الآخذة في الانتشار كامنة في استعراض البعض لمقتنيات وملبوسات لافتة ترافقها سلوكيات تستدعي النظرات الجائعة في الأماكن العامة، وتجعلهم محط اهتمام اللصوص، ولا سيما أن الانطباع العام يدور حول ثرائهم وإمكانية العثور على المقتنيات الباهظة الثمن والسيولة النقدية في حوزتهم في أي لحظة، هذا الانطباع حتى وإن حاولنا إدارة الظهور له لا يستثني أحدا من الخليج، ويشمل الذكور والإناث، وكلما بَرد الاعتقاد به سخّنته من جديد تصرفات البعض في الأماكن العامة المائلة إلى التباهي وجذب الانتباه، دون مراعاة للأوضاع الاقتصادية التي يمر بها معظم الناس في البلدان التي يوجدون فيها، يضاف إلى ذلك، المبالغة في التسوق أو كما يقال في أدبيات علم النفس «حمى التبضع» التي أصبحت صورة المشهد التي تميز الغالبية من الخليجيين في الخارج عن غيرهم، بل وتدل على أي شخص منهم دون عناء السؤال.
لا شك أن مثل هذه السلوكيات قادرة على فتح شهية العصابات في الخارج وقادرة أيضا على استفزاز الطبقات المثقفة حتى من الخليجيين أنفسهم، وكثيرا ما سمعنا أهل الرأي يشجبون التصرفات السلبية التي يمارسها البعض بقصد فيه من المراهقة الشيء الكثير، أو بغير قصد يعكس تدني مستوى ثقافة السفر. لا أحد يستطيع أن يعمم الصورة فثمة من يعكس بحق صورة جميلة عن الخليج العربي وأهله ويفرض احترامه على الناس في أي مكان يتوجه إليه، غير أن الحياة دروس وعبر والخير في من استفاد منها واعتبر.
التجارب تقول إن اللصوص وأصحاب النوايا السيئة يرصدون ضحاياهم ويتعقبونهم في ظل مؤشرات منها ما تمت الإشارة إليه كما أرى، إلى جانب عوامل أخرى من أهمها إسراف البعض في الهبات لمن يقدم لهم خدمة سواء في مقار السكن أو في مواقع الخدمات العامة، والمصيبة الكبرى أن بعض الهبات كرما «للتباهي» وقد يحدث أن يكون «للمنافسة» فيما بين الخليجيين أنفسهم والشواهد كثيرة.
موسم السفر عند أهل الخليج على الأبواب، والظروف تستدعي أن يتحدث كل من ينوي السفر بصوت مرتفع مع نفسه، ويرتب شؤون سفره على سلوكيات حضارية يتقدمها التواضع ومراعاة مشاعر الناس، وأيضا تقنين الثقة في الآخرين مع الابتعاد عن كل ما يحرك النفوس الضعيفة، والأهم اختيار الوجهة المناسبة وأخذ الحيطة والحذر حتى لا تموت فوائد السفر على وقع مطارق اللصوص.

alyami.m@makkahnp.com