النظرة الخاطئة للقدوات تخرجهم عن دائرة البشرية
الثلاثاء، ٢٩ أبريل ٢٠١٤
من أهم المعايير في تعاملنا مع الآخرين هو الطريقة التي ننظر بها إليهم؛ ذلك أن نظرتنا للآخرين ـ فضلاً عن كونها تحدد لنا الطريقة التي يجب أن نتعامل بها معهم ـ فإنها تؤثر على نفسياتنا كذلك.
إننا حين ننظر لشخص ما على أنه قدوة لنا؛ فإننا نبدأ في وضع هالة من التقديس حوله، وتبدأ قصة الانبهار بشخصيته، ونعتقد ـ دون وعي ـ أن هذه الشخصية لا ينطبق عليها ما ينطبق على الآخرين ـ ممن ليسوا قدوات في نظرنا ـ فننسى أنهم بشر يخطئون ويصيبون، بل ويقعون في أخطاء كبيرة أحياناً.
فإذا ما اقتربنا أكثر من حياة هذا الشخص القدوة؛ فإننا سنكتشف ما يثيرنا، سنكتشف حينها أن هذا القدوة يعيش حياته مثلنا، إنه يخطئ كما نخطئ!!، بل إنه يتعامل مثلنا بالغيرة والحسد، كما أنه يحمل في نفسه نفس المشاعر البشرية التي نحملها من حب وكره، ومن تواضع أحياناً وكبرياء أحياناً، نكتشف أنه لا يملك من هالات التقديس التي وضعناها حوله إلا أنه كان يلبس لباس القدوة الذي وضعناه نحن أيضاً.
إن تحميل النفس البشرية أكثر مما تحتمل أمر غير صحيح، كما أن نسيان الجانب البشري ونحن نتعامل مع القدوات خطأ آخر كذلك.
لا تصنعوا ممن تحبون أصناماً فترفعونهم فوق الخطأ؛ فإذا ما أخطؤوا أسقط في أيديكم.
ولا تنسوا أن الخطأ والبشرية أمران متلازمان، فما دام أننا بشر فنحن نصيب ونخطئ شئنا أم أبينا ، وقد جاء في الأثر عن عبدالله بن مسعود: (اقتدوا بمن مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة).
وقال أيضاً لما قام يمشي فقام حوله الأتباع والطلاب: ارجعوا فإنها ذلة للتابع وفتنة للمتبوع.
احترامنا لمن سبقونا علماً وعمراً يجب ألا ينسينا أنهم بشر، وأنهم قد ينزعون لباس السن والعلم عنهم ولكنهم لا يمكن أن ينزعوا لباس البشرية عنهم.
كان صلى الله عليه وسلم في بيته يخصف نعله ويخيط ثوبه فإذا خرج قاد الأمة، وفي كل حالاته هو قدوة، ولما قال المشركون عن رسولنا صلى الله عليه وسلم:
(ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟) أجابهم الله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق..) فكأن هذا الأمر من الطبيعة البشرية التي تلازم الأنبياء الذين هم بشر من البشر.
وإن من الآداب التي يجب أن نتعلمها ألا نتدخل في خصوصيات الآخرين، ولا نحاول أن نعرف عنهم الكثير مما لا يظهر للعامة، بل نأخذ من صاحب العلم علمه، ومن صاحب الأخلاق خلقه الظاهر، وإذا أعجبنا من خطيب كلامه، ومن متحدث أسلوبه، ومن معلم طريقة تعليمه، ومن مثقف ثقافته فلنكتفِ بذلك، فالدخول في منطقة الخصوصية لكل من هؤلاء يوقعنا في مأزق التناقض الذي لن نفهمه ما لم نتذكر أنهم بشر.