يالله يا قلبي.. سرينا!
الثلاثاء، ٢٩ أبريل ٢٠١٤
أعرفه حقّ المعرفة.. رجل من بسطاء الناس الذين لولاهم ما كان للدراميين العرب ما يبدعونه من أعمال، لفتت الأنظار وأدارت الرؤوس.. ولرأيناهم يحرثون الأرض، يتأبطون ملفات علّاقي فيها شهادات «حُسن سيرة وسلوك»، بحثاً عن وظائف شاغرة!
لم يهمِّش هذا الرجل أحدًا.. هو الذي اختار أن يعيش على هامش الحياة وزهد في صدرها وبطنها..
كان ينام بعد صلاة العِشاء.. وبين العصر والمغرب ننجذب إلى ركنه البعيد الهادئ.. يؤنسنا بسمسميته وصوته.. كنا نردد خلفه كـ»كورال» بأصوات، بعضها خشنة وبعضها مُنكرة، فيضحك ويلمع سنّه الذهبي بجانب الناب الأيمن من الفك العلوي.. وللحقيقة أنه لم يركِّب هذا السِّن «عياقة»، بل نصحه به «أبو السُّنون» في سوق الجامع.. أما بعد تركيبه فقد استحسنه أيما استحسان حتى أنه ظلّ يضحك بلا مناسبة!
ملأ حارتنا القديمة ضحكاً و«وناسة»، قبل أن يكتشف السّهارى قناة صاحب «الله يا زين اللي حضرت» وقبل أن يشكو الناس على الناس، ويسأل ويحتار: «وينك حبيبي ما دريت إيش صار»؟
لم يدم «شُبّاك الأنس» المفتوح طويلًا.. لم يغلق للتحسينات لعطلة رسمية أو مناسبة سعيدة ولا حتى بإجازة عرضيّة أو مرضيّة، بل لأن صاحبه قد نام كعادته بعد صلاة العِشاء بلا عشاء.. فقد دعاه مولاه إلى ما عنده!
بكينا عليه نحن الصغار لأننا لم نبلغ السن الذي نبكي فيه على أنفسنا!
وتقفز من العيون الصغيرة قطرات ماء تستطعم ملوحته الأفواه، ومشينا في مشهد لم يعبّر عنه اليوم إلّا أستاذ الكلمة المنحوتة من الضلوع بدر بن عبدالمحسن:
«يالله يا قلبي تعبنا من الوقوف،
ما بقى بالليل نجمة ولا طيوف،
ذبلت أنوار الشوارع وانطفا ضيّ الحروف
يالله يا قلبي سرينا.. ضاقت الدنيا علينا..
القطار وفاتنا.. والمسافر راح»!