لماذا أنا لست علمانيا؟!

فصل الدين عن الدولة، هو التعريف الشائع للعلمانية، وبالرغم من شيوع هذا التعريف وترسخه فإن تعريف العلمانية لدى شريحة واسعة من المفكرين الغربيين والعرب لم يحسم بعد. وما يجعل تعريف العلمانية لا يزال خاضعا للصياغة هو علاقة الدين بكل ما هو سياسي، فمثلما يحتوي الدين على عبادات وطقوس فهو أيضا يضم كليات ومبادئ عليا وفلسفة للأخلاق والجمال والحياة... وهذا الذي جعل المفكر الفرنسي مارسيل غوشيه يعرّف العلمانية بأنها “فصل الكنيسة عن الدولة” بمعنى: كسر هيمنة رجال الكنيسة على المشهد الديني ومنعهم من استخدام الدين لتصفية خصومهم السياسيين، فالدين علاقة بين الإنسان والله، والدولة علاقة بين الإنسان والإنسان. وعرّف المفكر العربي عزمي بشارة العلمانية بأنها: “خضوع الدين لسيطرة الدولة” وليس خضوع الدولة لسيطرة الدين كما هو حاصل إبان خضوع أوروبا للحكم الكنسي. كما عبّر عنه في محاضرة ألقاها أمام رئاسة الجمهورية التونسية في 2012م.
ومن البديهي هنا ألا نلحظ أن التسلط الكنسي لا علاقة له بالدين المسيحي وحسب، بل هو مناقض تماما للتعاليم الأولى في الديانة المسيحية. فكما أكد غوشيه أن “العلمانية أتت من أعماق الدين، فكانت العلمنة ظاهرة مسيحية، وكان للإصلاح الديني البروتستانتي دور في ظهورها، لقد تولّت المسيحية بنفسها خلع نفسها”، “ثمة أصالة نجدها في التاريخ الغربي، وهي أصالة دينية في أعماقها”. ويرى بيتر برغر أن العلمانية في أوروبا “كانت ظاهرة داخلية وببساطة كلية، لأن المسيحية كانت خندقها الخاص”. بمعنى أن المجتمع عاد إلى تعاليم المسيحية الأولى، التي تتوافق مع الطبيعة والفطرة، وانتزع السلطة من رجال الكنيسة الذين استغلّوا الدين لخدمة السياسة، فالاستبداد والتسلط لم يكونا قطعا من تعاليم المسيحية، كما أن النهب والإقطاع لم يكونا من أخلاق المسيح عليه السلام. فكل إعلانات حقوق الإنسان وحقوق الأفراد والعهود والمواثيق هي في الأصل عودة للحياة الطبيعية.
ومفردة “علمانية” هي في الأصل مفردة كنسية، وصادرة عن الكنيسة لتمييز ما ليس كنسيا، وترادفها في الثقافة الفرنسية مفردة “دنيوي” غالبا.
في بلاد العرب وبعد سقوط الدولة العثمانية أتت العلمانية كحل للنهوض والتخلص من التخلف والرجعية، وبالفعل أصبحت معظم البلدان العربية علمانية المضمون والشكل، فأصبحت هناك دساتير ومجالس نواب ولا سلطة للمجاميع الفقهية على الدولة مع عدم تطبيق للشريعة على مستوى الآداب العامة والحدود، باستثناء الأحوال الشخصية فقط. لكن ما الذي حصل بعد ذلك؟
الذي حصل بالطبع كما يعلمه الجميع، مزيد من التبعية ومزيد من الاستبداد والقتل والتنكيل والتعذيب والتخوين والفقر والتخلف. وكل ذلك حصل طوال الستين سنة الماضية في ظل دولة عربية علمانية حديثة!
السؤال: لماذا حصل ذلك كله مع وجود العلمانية كحل أخير للخلاص، بالرغم من نجاح العلمانية في أوروبا، وتقدم المجتمعات ونهضتها هناك بسببها؟ من يتأمل العلمانية في أوروبا يجد أنها عادت لروح المسيحية وتخلت عن الاستبداد وحققت السيادة والأمن والاستقرار للشعوب بالرغم من مرارة التحول الديمقراطي الذي جرى هناك، ولم تكن العلمانية في أوروبا إقصاء لتعاليم المسيح، بل هي عودة إليها. أما العلمانية العربية فهي مشوهة، فكانت أكثر بعدا عن روح دين الإسلام، وإقصاء راديكاليا مقيتا لكليات الإسلام، واستبدادا باسم الحداثة، وتبعية مركبة رسخها الاستلاب الثقافي والخواء الفكري. فكانت أحداث الربيع العربي بمثابة انفجار كبير تولد نتيجة هذه الأخلاط السامة! وكما يقول المثل المصري العامي “الجرح ما يتقفلش على وسخ”. فلا بد أولا من الاعتراف بأن العلمانية العربية لم تكن عودة لروح الإسلام مثلما هي العلمانية الغربية التي كانت عودة لروح المسيحية. بل على العكس قسمت العرب إلى قسمين: قسم مرتهن للتراث ويقدسه، وقسم مستلب، كما عبر عنها برهان غليون: بين السلفية والتبعية! وكرست هذا الانقسام وجعلته مرضا ثقافيا مزمنا لم نتخلص منه إلى يومنا هذا.