جيران زمزم استدعاء الذاكرة الشعبية للمكان

تتبدى الكتابة في «جيران زمزم» لـ»محمود تراوري» ـ دار جداول، 2013م ـ تميمة ضد النسيان والتلاشي والفقد، وتحصنا بروحانية المكان وحمولاته ودلالاته وما يكتنز به من معالم وحكايا وأشواق.

المكان والزمان

وتتحرك الحكاية على محوري المكان والزمان بما ينشأ بينهما من تعالق وتكامل وانسجام، وبما يطرأ عليهما كذلك من تباعد وتنافر وانعدام في التواؤم والتصالح والتعبير عن لحظتهما وفضائهما المشترك، وينسج لنا السارد خليطا مشتبكا من الذوات والأزمنة والتقاطعات وصراع الهويات والأجيال، ونضال الروح في سبيل الحفاظ على تماسكها وانسجامها وتجذرها في فضائها المكاني/ الروحي، وتوجسها من الطارئ والمقتحم، الذي يدخل معها في صراع وجود واستحواذ وتهديد لفضاءات الطمأنينة والارتكان إلى حميمية التوحد والتشكل داخل فضائها المكاني والزماني الخاص.

انتماء وتوجه

وتعلن الذات الساردة عن انتمائها وتوجه بوصلتها منذ الاقتباس الشعري «الرقية المكية/ محمد الثبيتي» الذي تصدر صفحات الرواية الأولى، والذي يحيل إلى تصورها للمكان بوصفه «تميمة» و»حصنا»، بما يمثله من ثقل روحي ووجداني وذاكرة موغلة في الزمن، وحاضنة وصاهرة للاختلافات والتباينات بما يعيد تشكيلها في صيغة تتلاءم وخصوصية ومعطيات ذلك المكان، بما لا يقضي على تلك التباينات والاختلافات بقدر ما يثريها ويشحنها بدلالات ومكونات جديدة وزاخرة.
وتقدم الذات الساردة نفسها كذلك بمثابة «الشاهد» الذي يلحظ ويتأمل ويقارب ويطرح رؤيته وتصوره الخاص لمجرى وتطورات الحكاية، يظهر ذلك في الإهداء الذي يقول «أيها الغائبون، هاكم ما قدرت عليه من تفاصيل، أيها الآتون ليس لدي ما أقول»، دون أن نغفل عن المراوغة الكامنة في الجزء الثاني من الجملة، حيث يكون لدى الذات الكثير مما تقوله وتشير إليه، غير أنها تتوخى ـ فيما أرى ـ تحفيز المتلقي وإثارة فضوله واهتمامه، وتحريضه على التيقظ والتركيز بقدر ما تشي بنوع من التطهر وتبرئة الذات من التقصير، وربما بقدر قليل من الشعور بالهزيمة والعجز عن مقاربة اللحظة المحكية بالقدر المطلوب، أو ربما بقدر من «التواضع» أمام أحمال الحكاية وأثقالها الباهظة.

البخور هوية

ينداح بنا العمل ـ منذ بداياته ـ وسط دوامة من الروائح التي يتصدرها «البخور»، الذي يحتل الحديث عنه مساحة لا بأس بها من الرواية، ويتم توظيف ذلك الحديث بأكثر من طريقة وسياق، تنتهي جميعها إلى تقديمه بوصفه مظهرا من مظاهر تباين الهويات واصطراعها الظاهر والخفي، على تجذير ذواتها في اللحظة والمكان في جدلية مستمرة من محاولة الإلغاء ومحاولة الحفاظ على المكونات الخاصة والتمظهرات المحددة والحاضنة لكل ذات «قرب الملعقة من فمه وهو يختم: البخور هوية ـ ص 87»،

إفرازات الطفرة

وتكشف الرواية ـ في ثنايا هذا الصراع ـ عن كثير من الظواهر الطارئة وإفرازات الطفرة وتأثيراتها على الفضاء المكاني، كما تقدم «بورتريهات» ـ ساخرة غالبا ـ للعديد من الشخوص والنماذج الإنسانية، التي أنبتتها تلك الطفرة وأتاحت لها فرصة التسلق والتملق والحصول على نصيب من كعكة اللحظة الجديدة، ومكاسبها وإفرازاتها الطارئة، في حين تمعن الذات الساردة في وصف تأزماتها ونضالها الخاص في مواجهة كل المتغيرات والمستجدات، متأرجحة ما بين لحظات الانكسار والتقزم غالبا ولحظات الانعتاق والتعالي على اللحظة، أو الإحساس بالانتصار والعثور على «الطمأنينة» المفقودة أو المهددة، مستندة في ذلك إلى العديد من المعطيات والمكونات، نذكر منها: استدعاء التاريخ والموروث الثقافي والذاكرة الشعبية للمكان، والتنقل والتداخل ما بين الفضاءات الزمانية المتنوعة، واستدعاء الملمح الروحي «الصوفي»، والاحتماء بالأغاني والأهازيج الشعبية وأسماء المطربين، وتوظيف المعجم الشعبي للمكان حتى في أكثر صوره نزقا وخدشا للأسماع أو الذوق العام، بما يحيل إلى الرغبة العارمة في إنعاش الذاكرة والحفاظ على توهجها وقدرتها على مقاومة الطارئ والغريب.

خلاصها في النهاية

وبينما يستغرق الراوية سعيها الحثيث نحو الرصد والملاحظة والتوثيق وإعادة تأثيث المكان وترميم اللحظة المنتهكة «هناك أشياء لا تحضر إلا بغياب أشياء، ليتها تغيب أبدا لتحضر كل أشيائي الجميلة ـ ص 68»، أو التعبير عن وطأة وقسوة الصراع القائم بتجلياته وتمظهراته المختلفة، فإن الذات الساردة ـ وبعد كل ما تمر به من انكسارات وتأزمات ـ تجد خلاصها في النهاية في الارتماء في البعد الروحي للمكان، بوصفه كما اقترحنا ـ بداية ـ تميمة وحصنا لها، وفعل مقاومة كذلك باعتبار الروحي هو الأبقى والأخلد دائما، والأقدر على حسم هكذا أنماط وأشكال من الصراع، أو التفاعل غير المتكافئ أو العادل ما بين الذوات والأفكار والأشياء «كيف لم يتبق من القشاشية إلا حنين زائف؟ ـ ص 69» ـ فتسلم الذات أمرها إلى دليها الروحي «سيدي الشيخ حسان التمبكتي»، كي يقودها في معراج روحي زمكاني إن جاز التعبير، يحقق لها التسامي فوق جراحها وخساراتها وإحساسها بالقهر، لينتهي العمل ـ أو ينفتح بالأحرى ـ بطائفة من الأدعية والابتهالات الصوفية الحارة، التي تؤكد على فكرة ومعنى التميمة التي تلجأ إليها الذات كخيار وحيد في سبيلها المرهق والقاسي نحو التجلي والتماسك والانعتاق.