الطوافة لدى راوة مهنة الكرم والإحسان
الخميس، ٢٢ يناير ٢٠١٥
أكرم ضيوف الله والله يكرمك، مقولة عرفت عن المطوف جمال بن حسين بن إسماعيل بن محمد طيب راوة العامودي المكي، والذي ولد منتصف القرن 14 الهجري، ونشأ في حجر والده، وتعلم منه مهنة الطوافة التي أمضى حياته فيها.
التحق بكتّاب إحدى الفقيهات في حارة القشاشية في المرحلة الأولى من دراسته، والتي تعرف تقليديا بمرحلة فك الخط، حيث يتلقى فيها أوائل الأبجديات الهجائية، وقصار سور القرآن الكريم.
من بعدها واصل دراسته المتقدمة في كتاب أحمد عجيمي، والذي أتم فيه حفظ جزء عم وما تيسر من القرآن الكريم، ومنه انتقل لمدرسة العزيزية الابتدائية في حي الشامية، حيث درس على يد مجموعة من المدرسين المكيين، في مقدمتهم محمد ميرداد الفقيه الحنفي، وأخوه حسين ميرداد، كما درس الحساب على يدي عبدالله مرزا، وعبدالله ساعاتي.
وتلقى عن بعض أصحاب الحلقات في الحرم المكي، وعرف طريقه إلى حلقة محمد أمين كتبي، والسيد علوي مالكي، والشيخ عيسى راوس وغيرهم، ممن كانت تزدحم بهم أروقة الحرم المكي الشريف.
الطوافة حب قديم
قد تبدو بدايات حياة راوة كجميع أبناء جيله من المكيين لا تميز فيها، إلا أن الجزء الأهم منها هو علاقته بمهنة الطوافة، والتي تعتبر متميزة حتى بالنسبة لمعاصريه، حيث بدأها في العاشرة من عمره تقريباً، وكان والده يستقبل في منزلهم بالقشاشية حجاج الجاوة من إندونيسيا، فكان يرافقهم لقضاء بعض ما يحتاجونه ولا يحسنون القيام به، كما أن إقامة الحجاج في منزلهم لفترات طويلة قد تتجاوز ستة أشهر من السنة، جعلته يعرف لغتهم ويتقنها، ويعرف ما يطلبونه ويرغبون في حمله إلى بلادهم من الهدايا المكية والتي كان من أهمها على حد قوله «اللباس المكي القديم»، فكان في سن مبكرة هو المرشد والدليل والمترجم، وعندما تجاوز سن البلوغ كان هو من يطوفهم في الحرم ويرشدهم إلى المناسك، وأصبح شابا ينوب عن والده في استقبال الحجاج في ميناء جدة، فكان يستقبلهم بما يصفه بأنه أعظم هدية تقدم إلى الحجاج وتفرحهم عند وصولهم، ماء زمزم.
كرم غير مشروط
ساهمت كل هذه الأمور في بناء مطوف يعد الآن من أكبر المطوفين سنا وقدرا وشهرة، حيث كان يصله سنويا وبعد أن توفي والده واستقل بذاته عدة آلاف من الحجاج، وكان استقبال مثل هذا العدد لا يتمكن منه إلا قلة، إلا أن صيت الشيخ جمال في حسن معاملته للحجاج جعلت منه مقصدا لفقراء الحجاج وأثريائهم، لذلك كثيرا ما يردد خلال لقائي به في لهجة مكية بسيطة عن مقدار ما يأخذه من الحاج «لم أكن أشارط، فكل يدفع ما يقدر عليه والله يكرم».
مع ملاحظة أن معظم المطوفين في تلك الفترة وقبل قيام المؤسسات، يسافرون لجلب الحجاج والدعاية لأنفسهم، إلا أن راوة لم يغادر خارج بلده، ويأتونه لحسن سمعته.
وبالرغم من السنين التي تلوح آثارها على محيا جمال راوة اليوم، يتهلل وجهه عند الحديث عن علاقته بهذه المهنة، وتشعر بأنه يركض في زوايا ذاكرته ليحدثك بكل ما شاهده وعرفه، فهو يتحدث عن تفاصيلها وأدبياتها ومصطلحاتها، بداية من حجه على الشقادف برفقة الحجاج، مرورا بتعامله مع بقية المخرجين والمقومين، ودورهم في قافلة الحج والوكلاء في جدة، وحرص أثرياء الحجاج على تتبع العبيد وعتقهم بإرشاد من المطوف ورغبة في عمل الخير.
* باحث في تاريخ مكة المكرمة
makkawi@makkahnp.com