من أخرج المجلس من واقعه؟

الحديث في صيغة المباشر، والسؤال في المقدمة. مَنْ أخرج مجلس الشورى من واقعه المحدد في نظامه؟ العلم عند الله.. لكن الظاهر أن ارتفاع سقف الحضور في الساحة الإعلامية من أي باب كان، وأعني بذلك الدخول من باب المبادرة أو باب الاستدراج الإعلامي، أخذه شيئا فشيئا نحو المحظور على خلفية إيحاء بعض مشاركات الأعضاء، وحتى بعض مداولات المجلس المعلنة إلى امتلاك المجلس آليات وأدوات تغيير حال بعض الأوضاع الدقيقة التي تشغل بال المجتمع. المفهوم الذي تمدد بهدوء في الذهنية العامة وتحرك متورما في الشارع مع مرور الزمن أكثر من أي فهم صحيح لواجبات المجلس وآليات العمل به واختصاصه. وهذا لا يلغي إدراك أقلية من الرأي العام لصحيح نظام المجلس وحدوده، ولا يحجب في نفس الوقت خروج بعض الأعضاء على الهواء لإعلان العجز. المحظور الذي وقع فيه مجلس الشورى يمكن حصره بصراحة في فخ المشاركة في رفع مستوى التطلعات الشعبية إلى ما يفوق الإمكانات المتاحة نظاما. وفي مثل هذه المعادلة يحدث الارتباك في إدارة عمليات السيطرة على المواقف لاحقا، وهذا ما هو حاصل في الوقت الحالي بالنسبة لمجلس الشورى. وأؤكد هنا أن هذا القول مبني على تحليل شخصي لا مفر من احتمال صوابه أو خطئه.

لمجلس الشورى، شأنه كغيره من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، نظام يحكمه، وضوابط تبين الغاية من وجوده. وفي الامتداد تأتي الواجبات والصلاحيات، أو نطاق المسؤوليات الذي يتحرك في حدوده، وما إلى ذلك من المتعارف عليه في هذا المجال.. ورغم أن كل ذلك مبين وموثق في مرسوم الإنشاء، ولكون كافة الأعضاء ذكورا وأناثا لم يأتوا إلى المجلس بغير استعداد وتأهيل، فإنه كان من الأنسب أن يقدم المجلس نفسه للمجتمع منذ البدايات بشفافية تلامس الواقع ولا تتخطاه.. هذا القول مدفوع بما يدور حاليا ومن قبل حول دور المجلس في القضايا الوطنية، ومنها وفي مقدمتها البطالة والعجز في المساكن، بالإضافة إلى التباين في الأنظمة التقاعدية وتدني أجور غالبية المتقاعدين والمتقاعدات والخدمات الاجتماعية والصحية والتأمينات الاجتماعية وغيرها. ولا أجانب الصوب إذا قلت إن أسئلة المجالس العامة متتالية حول كيفية اختيار الأعضاء، وإن الحراك تجاوز ذلك إلى ضرورة الانتخابات. مثل هذه الأسئلة والسجالات ما كان لها أن تظهر في العلن لولا خيبة الأمل. وأظن أن الشعور بخيبة الأمل يتلبس المجتمع الذي بنى آماله وتطلعاته في الغالب على الفهم (اللا مكتمل) لمهام المجلس ومسؤولياته بإسهام غير مقصود من المجلس نفسه، الذي لم يَقدر على التصرف بشجاعة لتبديد الضبابية التي تغطي إلى حد بعيد مساحة العلاقة بين الطرفين الممثلين أصلا لطرف واحد (الشورى والمجتمع) في مواجهة أطراف أخرى لها -بحكم النظام- اختصاص ومكانة وقول مسؤول.. حقيقة، يؤسفني قول هذا، لكنها الحقيقة كما أرى الأمور.
المجتمع يثق بشكل مطلق في اهتمام الدولة بشؤونه كافة. وهذه الحقيقة الراسخة يصعب المساومة عليها تحت أي ذريعة. والدولة صادقة وجادة، ولا يمكن أن تقبل بالمراوغات في سبيل تحقيق ذلك، والوضع هنا يفرض على كل مراكز المسؤولية أن تنظر للأمور بواقعية، وأن تتعامل مع مجريات الأمور بدبلوماسية تحفظ التوازن بعيدا عن الضبابية في الأدوار والوعود العصية على التحقيق، وبعيدا عن التأويلات التي تفقد التوجيهات قيمتها – الشفافية لغة المرحلة وما عداها خطأ تتعثر عليه الخطى.
من الحقيقة أن مراعاة مستوى الوعي المجتمعي والتعامل معه بوضوح سمة الجادين في المضي قدما إلى الأمام لتأصيل الفهم المشترك كعامل من عوامل النجاح التي يعتد بها، وكأداة من أدوات تقليص الفجوات الاحترافية التي لا يستهان بما تخلف من نتائج لتهدئة أي حراك وتوجيهه التوجيه الصحيح لخدمة الصالح العام على بينة ترحل الشكوك وتفتت أزمة الثقة.
خلاصة القول أن إعادة تقديم المجلس نفسه للمجتمع في إطار نظامه الذي لا يوجد فيه ما يقلل من شأنه وفقا لما أنشئ من أجله، من الضرورة بمكان كخطوة إن حدثت فقد تصحح المفهوم السائد وتحد من ارتفاع سقف التطلعات الشعبية التي لا تعترف بمعنى الاقتراح، الدراسة، المناقشة، إبداء الرأي.. تلك المصطلحات المهنية المسيطرة على سير عمل المجلس، مثله مثل بعض البرلمانات العربية الأخرى، وليس في هذا عيب ولا ضرر.