راسل التي كادت تطيح بشكسبير

يصادف هذا الأسبوع ذكرى مرور 450 عاما على ميلاد وليام شكسبير، وقد تكون الطريقة التي نتذكر بها تاريخ هذا الكاتب المسرحي الأكثر شهرة في العالم مختلفة تماما عن الواقع الحقيقي.

خيانة نادرة التصديق

في يناير 1596 أعلنت امرأة اسمها إليزابيث راسل الحرب على شكسبير وعلى فرقته المسرحية، بهدف تدميره ككاتب مسرحي، ومن النادر جدا أن تظهر راسل في روايات حياة شكسبير.
وتوجد في الأرشيف الوطني في قصر كيو الملكي في لندن وثائق تكشف عن التماسين قدما إلى الملكة إليزابيث الأولى، الأول من راسل يبين سعيها لمنع افتتاح مسرح استعراضي جديد، كان شكسبير على وشك أن يحجزه ليقدم عليه عرضه، وهو لا يبعد سوى دقيقتين سيرا على الأقدام جنوب منزلها في بلكفريرس بلندن.
هذه الوثيقة البسيطة تكشف عن فعل نادر التصديق من الخيانة، منها ومن الـ 31 شخصا الموقّعين على الالتماس، هذا بالإضافة إلى وثيقة أخرى، تحمل اسم «وليام شكسبير» وهي طلب التماس مضاد منه وزملائه الممثلين للسماح لهم بفتح المسرح، وتقديم العرض الأول للجمهور، موجّهين الاتهامات إلى سكان بلكفريرس الذين قاموا بإغلاق المسرح بحجة المحافظة على زوجاتهم وعائلاتهم. ولقد سبّب هذا الالتماس ضجّة عارمة عندما تمّ الكشف عنه في عام 1960، لتظهر خدعة متقنة بإحكام، وملفّقة على مدى 30 عاما من قبل المزوّر سيئ السّمعة جون باين كوليير، وكذلك تراجع تأثير التماس راسل بعد قصّتها الاستثنائية الغريبة.

نهاية الأزمة

في بدايات عام 1596 كان شكسبير يواجه أزمة، فالمسرح الذي قام بتشييده في بداية مسيرته المهنية، في شورديتش عام 1576 ، كان أوّل غزوة في صناعة الترفيه لمؤسّسها، المتعهّد جيمس برباج، وكان عقد الإيجار للأرض التي بني فوقها المسرح على وشك الانتهاء في أبريل 1597، مما يهدد شكسبير ورجاله.
وعندما اشترى برباج جزءا من الدّير القديم في 1596، وقرر إنشاء مبنى مسرحي، بدت أحلام شكسبير على وشك التحقيق، فإنه وعلى عكس مسرح شورديتش المكشوف، في الهواء الطلق، فإنّ أماكن العمل المغلقة في بلكفريرس تكون مفتوحة على مدار السنة، وأسعار التذاكر ستكون مرتفعة، وهكذا أنقذ برباج الكاتب المسرحي ورفاقه من الأزمة المالية، ولكن لسوء حظهم، كان لجيرانهم الذين لا يقهرون رأي آخر. في يناير عام 1596، بعد اكتشاف خطط برباج، قامت راسل بإثارة حملة ضدّ مؤيّدي مسرح بلكفريرس، وكتابة عريضة تطالب بعدم السماح باستخدام المسرح، أو الاحتفاظ به، وحظر المشاركين الفظّين، ولم يستجب لدعوتها إلا بعض الأعضاء من طبقة النبلاء، وقساوسة الكنيسة، ورجال الأعمال المحليون، وناشطون في مجال الخدمات السريّة للملكة، وكان بإمكانها توقّع الانتصار، حيث شمل مجلس الملكة الخاص أعضاء مميّزين وأقارب لها.

شخصية راسل

إنّ شخصية راسل القوية ترجع لتربيتها، حيث وصفها أحد المعاصرين بأنها «أكثر من شبيه امرأة»، خاصة بعد اعتدائها جسديا على أحد النبلاء في محكمة قانونية، كما أنّها أثارت عددا من أعمال الشغب، والشجار العنيف، والخطف والاقتحام والقتال المسلّح، كل ذلك كان بالنسبة لها طريقة حياة، وكما أصرّت: «سيّدة في مكاني، ينبغي أن يداس عليها بازدراء»، وكان لشكسبير بعد وقت وجهد اكتشاف صحة ذلك.
في بدايات 1596 قام الكاتب المسرحي باستخدام أسلوب السخرية والاستهزاء لمهاجمة أعضاء من أصدقاء ومعارف الكونتيسة الأرملة في الجزء الأول من مسرحية هنري الرابع، وفي أفضل روائعه المسرحية الفارس فالستاف، التي كانت بالأصل باسم قلعة جون، وإنّ السلالة الحقيقية لهذه القلعة كانت اللورد كوبهام، حمو روبرت سيسيل وجار راسل في بلكفريرس.
كان لعائلة كوبهام وأقارب سيسيل سبب وجيه ليكونوا قلقين حول الجزء الأول من مسرحية هنري الرابع، فقد كانت جزءا من حلقة متتالية لمسرحيات زادت من سمعة منافسه الرئيس، إيرل إسس، الذي يدعي النسب من هنري الرابع، كما أنّ شكسبير قد قام فيما بعد بمدح إسس مباشرة في مسرحية هنري الخامس، معددا علاقاته مع هؤلاء الملوك الإنجليز.
بجانب ذلك فقد أخفت مسرحيات هنري الرابع مفاجأة سيئة أخرى لراسل، فقد وضع شكسبير شخصية جون راسل، الزوج الثاني المتوفى لراسل، وهما يشربان ويضحكان، وجاءت ردّة فعل المقرّبين لها بشكل سريع، حيث قام كوبهام بإجبار شكسبير لإلغاء وحذف هذه الأسماء المحرجة من مسرحياته، ولكن شكسبير الذي شعر بالإذلال، انتقم من راسل من خلال مسرحية زوجات وندسو المرحات، حيث كانت المسرحية مفعمة بالتهكّم عليها، كما صور ابنها كاريكاتوريا وبشكل ساخر، من خلال المشاكس مالفوليو في مسرحية الليلة الثانية عشرة.

مسرح جديد

توفي جيمس برباج المفلس بعد فترة قصيرة من حرمانه استخدام مسرح بلكفريرس، وورث أبناؤه ديونه، وكانت هناك حاجة ماسة لوضع خطّة جديدة، ففي ديسمبر 1598، قاموا بتفكيك مسرح شورديتش، واستخدموا البقايا لبناء مسرح جديد في بانكسايد، على الجانب الآخر لنهر التايمز من بلكفريرس.
وبذلك بقي مسرح جلوب بعيداً عن سيطرة البروتستانتيين من بلكفريرس، وكذلك بعيداً عن سيطرة راسل.
قدم الإخوة برباج نموذجا من الأعمال لتمويل المشاريع، حيث اهتموا اهتماما أكبر بمشروع جريء لشكسبير وأربعة ممثلين آخرين مشتركين، تم التفاوض معهم سابقا، كل شخص دفع 100 دولار لتغطية تكاليف استكمال المسرح، وبالمقابل أصبحوا جزءا من أعضاء الجلوب، وبإمكانهم الحصول على 10% من الأرباح.
وبهذا تكون راسل قد قامت دون قصد بتأمين النجاح طويل الأجل لشكسبير، وربّما هو نفسه لمس السخرية من ذلك، لأنّه قد استخدمها كنموذج للكونتيسة الأرملة روسلين في مسرحية «كل شيء بخير وسينتهي بشكل جيد»، وكما وصف جورج برنارد شو الشخصية بأنّها «أفضل جزء مكتوب عن امرأة مسنّة جميلة».