دعوها فإنها منتنة..!!
الجمعة، ٢٥ أبريل ٢٠١٤
كل الدلائل والمؤشرات تجزم بأن النزعة العنصرية ليست فطرية، بل هي نتيجة التطورات اللاحقة التي صاحبت مسيرة الوجود البشري، وأنها ضاربة في أعماق التاريخ، فأضحت الممارسات العنصرية معروفة عند الإنسان منذ عصوره القديمة، والعنصرية في مفهومها العام هي الاعتقاد بأن هناك فروقا وعناصر موروثة بطبائع الناس أو قدراتهم بسبب الانتماء لجماعة معينة أو لعرق ما وبالتالي تبرير معاملة الأفراد المنتمين لهذه الجماعة بشكل مختلف اجتماعيا وقانونيا.
والمجتمع العربي منذ الأزل نشأ على فلسفة الفخر والاعتزاز بالقبيلة والحسب والنسب، فكانت تلك الأمور وغيرها من صفات الكرم والشجاعة والمروءة هي معيار التفاضل والتفاخر بين القبائل العربية، ثم جاء الإسلام فأقر ما كانوا عليه من مبادئ ومثل تتفق مع منهجه وشريعته، وهذب غيرها مما يخالف منهجه وهديه كي يستقيم اعوجاجها ويستقيم بناؤها فتسهم في خلق مجتمع قوي متماسك، ونهى عن كل خلق سيئ لما له من اثر على الأمة بعمومها، ومن ذلك العصبية القبلية لما لها من أثر سيئ على بناء المجتمع وديمومة وحدته، تلك العنصرية التي اكتوى بها العرب في قديم الزمان بما سببته من حروب ومآس، واكتوى بها الغرب والشرق وذاقت ويلاتها الأمم قديماً وحديثاً، فأزالها الإسلام وهدم بنيانها وأقام عوضا عنها أعظم بناء وأقدس رابطة لا يقطعها زمان أو مكان، إنها رابطة الأخوة في الدين.
وغني عن القول إن العصبية القبلية ولما تورثه من سلبيات وما تنتجه من أفكار تقوض بناء المجتمع وتهدد كيانه ووحدته فقد حذر منها الإسلام حيث لم يرد في القرآن الكريم آية واحدة تدعو للفخر بنسب أو عرق أو لون، بل على العكس جاء القرآن ليحذر من ذلك ويدعو إلى البعد عنه، ومن ذلك قول الحق تبارك وتعالى في سورة الحجرات «يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم» وكذلك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة ومنها قوله «لا فرق بين عربي ولا عجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى»، ونلاحظ من خلال النصين السابقين أن التقوى هي الأساس لقياس الأفضلية بين الناس وليس سواها، ونحن كمجتمع مسلم نعلم تلك النصوص علم اليقين ونتعاطى بها ونؤمن بصدقها وبما تدعو إليه، ولكننا في كثير من سلوكياتنا وما نتعاطى به مع بعضنا البعض نبتعد كل البعد عنها، فواقعنا يؤكد أننا نعمل بعكس ما نؤمن به أحيانا.
إذ نسمع بين الفينة والأخرى عبارات يطلق بعض السفهاء تنتقص من هذا أو ذاك وتحتقره لأصله أو لونه أو خلقته، ولو أننا نؤمن بما نعلم ونعمل به لعرفنا أنه لا يوجد فضل لأحد على أساس لونه أو جنسه أو نسبه، فهذا بلال بن رباح رضي الله عنه، الحبشي الأسود البشرة، يقول له النبي صلى الله عليه وسلم «أسمع قرع نعليك في الجنة» وذاك أبو لهب، من سادة قريش ووجهائها وأصحاب الرأي فيها، خالد مخلد في نار جهنم «سيصلى نارا ذات لهب»، فلم يؤخر بلال نسبه ولم يقدم أبا لهب نسبه.
أيها العقلاء: دعونا نجتمع في بلد واحد تنصهر فيه كل الانتماءات، ويكون الانتماء الحقيقي للدين والوطن، فكلنا مواطنون ولنا نفس الحقوق وعلينا ذات الواجبات، دعونا ننشر ثقافة التعايش على هذا الأساس، وأن نعمل على منع كل سلوك أو قول يمكن أن يقوض هذا البنيان بدعوى جاهلية مقيتة. تعالوا لننشر ثقافة: كلكم لآدم وآدم من تراب. فلم يختر أحد لونه أو قبيلته أو فقره وغناه، دعونا نؤسس لثقافة قوامها قول النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك.
alghbbash.b@makkahnp.com