في بيتنا بركة
سبحان رب الكون فله حكمته العظيمة، حين يزرع البركة في بيت من يعتقد بأنه يفتقدها، وحين ينزعها ممن نكاد أن نجزم بأنه مصب للبركات بكامل معانيها، فالحقيقة أننا لا نعي هل ما نمتلكه بركة أم غير ذلك، وعلينا أن نلوم أنفسنا، فلماذا الحكم السريع، والجزع واليأس قبل اتضاح النتيجة؟.
الجمعة / 25 / جمادى الآخرة / 1435 هـ - 22:15 - الجمعة 25 أبريل 2014 22:15
سبحان رب الكون فله حكمته العظيمة، حين يزرع البركة في بيت من يعتقد بأنه يفتقدها، وحين ينزعها ممن نكاد أن نجزم بأنه مصب للبركات بكامل معانيها، فالحقيقة أننا لا نعي هل ما نمتلكه بركة أم غير ذلك، وعلينا أن نلوم أنفسنا، فلماذا الحكم السريع، والجزع واليأس قبل اتضاح النتيجة؟. كم من أسرة قض مضاجعهم ولادة طفل معاق بينهم، وكم غضبوا وذرفوا الدموع، وعانوا، وشعروا بإحباط، وجحدوا، وصاروا يتعاملون مع طفلهم المعاق على أنه رزية أصيبوا بها، فيخجلون أن يخرجونه لمقابلة المجتمع، ولا يراعون مشاعره، ولا يشجعونه ولا يؤهلونه لمقابلة مستقبل حياته العسير. وكل ذلك قبل أن تتكشف لهم الحكاية بعمقها وروعتها ورحمتها، حين يشهدون بين أيديهم معجزة إلاهية تتحقق على يد المعاق الصغير، فيندمون على تسرعهم وجهلهم حينما تنهال بركاته عليهم من كل صوب. المعاق مشاعر عطف ورحمة أسرية تنشأ بين أفرادها بأن يجدوا أنفسهم شركاء متكاتفين متفانين يحاولون مساعدته، وتقويمه، وتعليمه، وتعويده على كل ما لا يستطيع تأديته من أعمال، وينطلقون بأدوارهم وهم لا يحيطون بالصورة بكاملها، ولا يدركون بداية بأنهم بذلك يتبتلون في عبادة الرب، ويختبرون صدق وعمق عواطفهم الإنسانية، ويتبادلون مودة بعضهم البعض، بالتشارك، والتعاون، وتوزيع المهام، ووضع الخطط، وتنفيذها، بجذب مركزي لاهتماماتهم المشتركة نحو هذه البركة. وكم تضمحل تلك المشاعر والروابط عند أسر لم يُقدر لها رعاية شخص معاق. غالباً ما تكون عائلة المعاق المؤمنة المتيقنة أكثر ترابطا من غيرها من الأسر، التي يكون أبناؤها أصحاء قد لا يجتمعون على محور عميق المعاني حميم كذلك. عائلة المعاق وهبها الله فرصا عظيمة للتسلح بالصبر، وزيادة التحمل، وانعدام اليأس، وخصهم بالبهجة الحقة حين يرون التحسن مهما كان يسيراً أو بطيئاً يظهر على تصرفات ابنهم المعاق، فيكون نصراً لهم وتحققاً للمعجزة. ومن المؤكد أن لديهم فرصة أعظم لمزاولة الحب الحقيقي والرحمة مع من يستحقها، ومن يبادلهم المشاعر بشفافية، ويتعلم منهم كيف يُعبر لهم عن امتنانه، وحبه العفوي، الذي لا زيف فيه ولا تصنع. هم كذلك مباركون بمشيئة من الله سبحانه بأن أعطاهم فرصة لتعلم لغة الإشارة، أو لتجربة الاعتماد على الحس الداخلي، وتعويد على كيفية التحرك في الظلام، أو لمساعدة في تكوين حركة مبتكرة للأكل والشرب وتبديل الملابس بأيسر الطرق، بالإضافة للعب والتعلم واكتساب الخبرات، فيشعرون بسمو قيمتهم الإنسانية، التي قد يفتقدها البعض لكثرة الجفاف والمادية، والسطحية في التعامل مع بعضهم البعض، وعدم المسؤولية عن بركة إلاهية موجودة بينهم. ولا شك أن أهل المعاق بإيمانهم ووعيهم سيشعرون بعظيم الرزق، الذي حل بهم من رزقه، فيظهرون به للمجتمع دون حياء أو تردد، وبعظيم إيمان وفخر عميم وثقة بكرم من خلق لهم هذا الرزق والبركة المستمرة. وما أعظم شعورهم حين يثمر غرسهم وينتج ولو القليل، فابنهم لم يعد كما بدأ، وها هو قد تغلب على إعاقته، وتميز على أقرانه، وأصبح يكسب رزقه بجد ويقين، وينسجم مع مجتمعه مثل أكثر الأسوياء، بعد أن قفز للأعلى على قلوبهم وأذرعهم. وكم من المعاقين بيننا يصنعون أمثلة حية على الصبر، والإصرار وكسر حجب المستحيل. فتحية إكبار وتقدير لكل من رعى معاقا، ولكل من أشعره بقيمته ولم ينقص من إنسانيته. تحية لمن فهم معنى الآية (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)، ولا تسألوا كم تتضاعف في أنفسهم مشاعر الرحمة، والتعاطف، والتي يعيش الإنسان حياته من أجلها فيكون منظوره للحياة خليط قناعة، ورضى، وأمل يتجدد. هنيئا لهم ببركتهم ورزقهم، وعسى أن يعي ذلك من لا يفقهون، فيرتضون بالقدر خيره وشره، ويعملون على رفع معنويات المعاق، ولا يعيشون على وهم إرضاء الناس، في غاية لا تدرك، ولا شك أن البركة شيئاً فشيئاً ستكون فيهم ومنهم وإليهم، وأنها حاصلة بحسن إيمانهم وأفعالهم مهما تأخرت.
shaher.a@makkahnp.com