هدايا للمواطنين
الأربعاء، ٢١ يناير ٢٠١٥.
.
وما إن تحدث أمين محافظة جدة – في حوار صحفي - عن العقود الاستثمارية والتجارية الخاصة بكورنيش جدة، التي (احتكرت) - برأيه - تلك المواقع، وحرمت المواطنين من الاستمتاع بها، حتى انبرى له أحد وجهاء المنطقة، وأبرز رجال الأعمال فيها، في رد احتل الصفحة الأخيرة في أكثر من صحيفة، وهو ردٌّ ليس كبقية الردود، لأنه يملك قدرة شراء تلك المساحة الغالية ثمناً، والأكثر مطالعة في الصحيفة، حتى يكون باستطاعة القراء مطالعته، وفهم مضامينه.
والحق أن رجل الأعمال هذا.
.
من المشهود لهم بالحماس والتجاوب، مع فكرة توطين الوظائف، و(السعودة)، وله جهد يُذكر فيُشكر في استقطاب الشباب في مجموعاته التجارية والاستثمارية، كما أن له أعمالا ومبادرات أخرى، في العمل الخيري الاجتماعي والوطني، نسأل الله تعالى أن يثيبه عليها.
ولست معنياً هنا، بتفاصيل اختلافه مع أمين جدة، في القضية مدار الاختلاف بينهما، وإنما أنا – كمواطن - معنيٌ بعبارات ومفاهيم جاءت في عنوان ومتن ردِّه على الأمين.
مثل قوله: (إن مشاريعه واستثماراته، ليست احتكارية، وإنما هدية للمواطنين)، ومثل قوله: (.
.
نقدم أقصى ما نملك من جهد ومال لرفاهية وترفيه الشعب)، واستدلاله بأرقام مليونية، لمرتادي مشروعاته السياحية من المواطنين.
.
في سياق تأكيده على تلك (الرفاهية)، التي (أهداها) للمواطنين.
.
!والمواطنون، الذين أنا وأنت من ضمنهم.
.
ألِفوا منذ زمن بعيد.
.
لغة (الهدايا) التي تُقدم إليهم.
.
حيث تُقام المستشفيات، والمدارس، والحدائق العامة؛ هدايا لهم.
وتُنشأ الجامعات هدايا لهم.
وتُقام المشروعات بأنواعها كافة هدايا لهم.
.
.
وكل ما في الوطن من مؤسسات خدمية؛ هي في حقيقتها هدايا وهبات يُعطون إياها.
.
! وهذه الثقافة التعبيرية السائدة، ليست محض فكرة عابرة تدلُّ عليها مفردة أو جملة، في خبر صحفي، أو خطبة احتفالية، ولكنها فكرة راسخة في أذهان المتفوِّهين بها والمعبِّرين عنها، ومتلقيها على حد سواء، وهي لزمة لافتة في مانشيتات الصحف، التي هي نبت أصيل لتلك الثقافة، التي لا يفرق صنَّاعها وجمهورها بين حقوق المواطن، ومقتضيات قيام مؤسسات الدولة الخدمية والاقتصادية، والأدوار المناطة بها.
وبين الهدية والهبة؛ التي ظلَّت مجالاً دلالياً لا تبرحه ديباجات الخطب المبشرة بهذه البنى والمشروعات.
وهي (خصوصية) ثقافية ليس هذا مجال التفصيل فيها، وإن استظل رجل الأعمال الجليل بظلالها، في حديثه عن (الهدايا) التي قدمها للمواطنين.
ولست أدرك معنىً أو تأويلاً دلالياً لهذه (الهدايا)، أو تطبيقاً موضوعياً لها، فالمواطن لا يحظى بشرف دخول تلك المنتجعات الاستثمارية.
.
حتى يدفع ثمن الدخول فقط، ثم يدفع ثمن كأس الماء، أو العصير، الذي يزدرده، ويدفع ثمن الوجبة التي (يطفحها) أضعاف قيمتهما الفعلية، ثم يدفع ثمن إقامته ساعةً.
.
أو أسبوعاً في تلك الأماكن.
.
أضعاف ما يدفعه في أي مكان آخر.
.
ويدفع، ويدفع، ويدفع بالتي هي أقسى على قدراته وإمكاناته المادية، إذا ما أراد أن ينعم بتلك (الهدايا، والرفاهية).
.
! فعن أية (هدايا) يتحدثون؟أما (رفاهية وترفيه الشعب) كما جاء في حديث مالك تلك المنتجعات؛ فليست هي الهدف الذي ابتغاه من وراء (تقديم الجهد والمال.
.
)، وليست هي - بأي منطق في الأرض - (هدايا) يهبها للمواطنين.
.
!فهل يُعقل أن يُخاطب المواطنون بهذا المنطق.
.
وهم يتوافدون على منتجعات رجل الأعمال ذاك؟.
وهل قام بدفع مئات الملايين استثماراً؛ حتى يجد الشعب (رفاهيته).
.
؟ فقدمها إليهم مجاناً.
؟ مع من، وإلى من يتحدثون.
.
؟أما الأرقام المليونية التي استشهد بارتيادها لمشروعاته، وأحصى من خلالها عدد الذين أمّوا مشروعاته من المواطنين، فهي التي قامت أيضاً بضخ مئات الملايين من جيوبها، لكي تلقى تلك المشاريع ذلك النجاح، وتضمن الاستمرارية.
ولكي يمنح تلك الأرقام الدقة والموضوعية؛ فقد أسندها إلى (المحاسب القانوني) لمشروعاته.
.
وليته استشهد بأرباحه التي درتها عليه تلك المشروعات، ومن قبل المحاسب القانوني نفسه - زاده الله فضلاً وتوفيقاً - حتى نعرف ذلك الثمن الذي ذرفته جيوب المواطنين، لكي ينعموا بتلك (الهدايا).
وبعد: فإن ضمير الوطن؛ يكن كل التقدير لرجل الأعمال ذلك، لأسباب أسلفنا الإشارة إليها في مقدمة المقال.
.
وهذا التقدير لا يمنع من الاختلاف معه، عندما يتحدث بمنطق فيه ما فيه من العوج والاستغفال للمخاطبين/ المواطنين الذين توجَّه إليهم في حديثه.
أما المواطنون.
.
فلا يعنيهم كثيراً.
.
اختلاف الأمين والمستثمر.
.
وإنما يعنيهم أن تُحترم عقولهم، ويُقدر فهمهم، وتراعى مشاعرهم، وأن لا تتم المزايدة من أحد.
.
على (رفاهيتهم)، ومواطنتهم، وحقوقهم، وأحلامهم.
.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.