سنودن يلعب دور البيدق لبوتين

عندما ظهر إدوارد سنودن، الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكية، أمام الكاميرا خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام عدسات التلفزيون أخيرا، بدا واضحا أن مشكلة سنودن ليست في كيفية رؤية المسؤولين الأمريكيين له، ولكن في الصورة التي يرى هو بها نفسه.
الرجل الهارب من العدالة بعد أن سرب كنزا من المعلومات عن أسرار عمل وكالة الأمن القومي الأمريكية، وبشكل خاص تسريباته حول عمليات التجسس الواسعة التي تقوم بها الوكالة ضد أعداء الولايات المتحدة وأصدقائها على حد سواء، بل وحتى ضد ملايين المواطنين الأمريكيين. الآن، إدوارد سنودن يدعي أن مشاركته المبرمجة والمخطط لها بشكل مسبق في المؤتمر الصحفي للرئيس الروسي –والذي استمر نحو أربع ساعات- كانت تهدف لمساءلة فلاديمير بوتين على برامج الرقابة التي تشرف الحكومة الروسية على تطبيقها.
الذين يؤيدون إداورد سنودن بشكل مطلق يعتقدون أنه أدى خدمة عظيمة لوطنه من خلال كشف الانتهاكات والإساءات التي تقوم بها أجهزة الاستخبارات الأمريكية، وأن تصرفاته أجبرت البيت الأبيض والكونجرس على كبح ممارسات وكالة الأمن القومي. ولهذا السبب، هم يريدون أن تقوم إدارة أوباما بمنحه الحماية الكافية التي يستحقها لأنه وشى بأسرار الممارسات السيئة التي تقوم بها الوكالة. أما الذين ينتقدون ما فعله فإنهم يقولون أن إدوارد سنودن هو في الواقع خائن لوطنه لأنه قام بكشف أسرار قومية خطيرة وعرض قدرة وكالة الأمن القومي على التجسس على ما يفعله ويخطط له أعداء الولايات المتحدة. ولذلك فإنهم يطالبون بمحاكمته ووضعه في السجن.
على هذه الخلفية ظهر إدوارد سنودن، الذي كان قد هرب إلى روسيا لتفادي مذكرة اعتقال دولية بحقه، في مقطع فيديو مسجل مسبقا ليوجه سؤالا متفق عليه إلى الرئيس بوتين. سنودن قال في سؤاله: إنه لم ير إلا القليل من النقاش حول تورط روسيا نفسها في سياسة الرقابة الجماعية، فهل تعترض السلطات الروسية، أو تخزن، أو تحلل، بأي شكل من الأشكال، اتصالات ملايين الأفراد؟
الرئيس بوتين أجاب على سؤال سنودن بنفس النبرة المطمئنة التي استخدمها الدكتاتور الروسي جوزيف ستالين في 1945 عندما وعد العالم بأنه سيسمح لبولونيا، التي كانت في ذلك الوقت تخضع لاحتلال الجيش الروسي، أن تجري انتخابات حرة. لكنه لم يفعل ذلك مطلقا.
إذا كان تدخل بوتين وممارساته في الشؤون الداخلية لأوكرانيا تشير إلى أي شيء، فإن جواب بوتين على سؤال سنون لا يمكن تصديقه.
من المؤسف أن سنودن لم يستطع أن يطرح أسئلة لاحقة. كان بإمكانه أن يسأل الزعيم الروسي عما إذا كانت حكومته تملك إذنا من القضاء عندما اعترضت، كما يعتقد الكثيرون، اتصالا هاتفيا بين دبلوماسيين أمريكيين يتحدثون بشكل سري حول أوكرانيا وبعد ذلك نشرت ذلك الحديث على شبكات الانترنت.
كانت تلك أول محادثة من مجموعة محادثات يفترض أن روسيا تجسست عليها وبعد ذلك كشفتها لإحراج الدبلوماسيين الأمريكيين والأوربيين وتفقدهم مصداقيتهم. كثير من هذا حدث فيما كان سنودن مختبئا في روسيا تحت حماية الحكومة الروسية.
بالرغم من موقع عمله الذي استطاع من خلاله أن يكشف الكثير من المعلومات السرية ويفضحها، كتب إدوارد سنودن في صحيفة الجارديان البريطانية أنه وافق على توجيه السؤال إلى بوتين لأنه كان يعتقد أن سيسهم في كشف عمليات التجسس الالكتروني الواسعة التي تقوم بها روسيا تماما كما لعب الدور نفسه في كشف ممارسات التجسس الاستخباراتي في الولايات المتحدة.
سنودن يعطي لنفسه أهمية كبيرة.
في الولايات المتحدة، إدوارد سنودن رجل مطلوب القبض عليه، وقد زاد من أهميته لدى الحكومة الأمريكية بلا شك دوره الجديد كبيدق للرئيس فلاديمير بوتين. السيد كيفن لويس، المتحدث باسم وزارة العدل الأمريكية، قال لي: إن السيد سنودن متهم بتسريب معلومات سرية، وهو يواجه تهما جنائية.. يجب إعادته إلى الولايات المتحدة في أسرع وقت ممكن، حيث سيحصل على حقه القانوني الكامل في نظامنا القضائي.
لدى ملاحظتهم الضرر الذي تسبب به ظهوره خلال المؤتمر الصحفي التلفزيوني للرئيس بوتين، يقول بعض مؤيدي سنودن الآن أنه نادم على المشاركة فيه.
باعتباره شخصا امتلك الجرأة الكافية لمساءلة سياسات جمع المعلومات دون قيود في الولايات المتحدة، كان سنودن قصير البصر إلى حد مفاجئ في فهمه للضرر الذي سوف يتسبب به دوره في العرض التلفزيوني الجانبي للرئيس بوتين على آفاق قدرته على مغادرة روسيا على الإطلاق في المستقبل.