الترميش.. بعد التقسيط يأتي التسقيط!!

تتكرر سيناريوهات عمليات النصب والاحتيال، فما زال الجميع يتذكر بعض المواقف السابقة من المساهمات الوهمية أو المضاربات غير الشرعية، وقد ظهر بعضها في فترات سابقة في صور متعددة، وما زال يتوالى ظهور بعضها تباعا، إما في شكل تمويل يطلقون عليه هم صفة الشرعية، ويزعم البعض استعداده لتسديد التمويل السابق، ويحددون اسم بنك شهير في بلادنا، ليسقطوهم إن لم يقسّطوهم، وما لبثوا إلا أن أصدر البنك براءته من تلك المؤسسات والتعاملات، وأرسل رسائل نصية إلى جوالات عملائه يحذرهم من ذلك التعامل.
وفي هذه الأثناء ظهر ما يعرف بـ»الترميش» وبدأ في الانتشار، وصورة بيع الترميش هي قيام التاجر بشراء سلعة بأضعاف قيمتها الأصلية بثمنٍ مؤجَّل بدون اشتراط دفع جزء من الثمن مقدَّما، كشراء سيارة مستعملة أو أرض أو منزل بكمبيالات مؤجَّلة الصرف، بمعنى أن يأتي البائع للسيارة مثلا لمن أطلق على نفسه كنية «أبو رمش» فيعطيه كمبيالة بالمبلغ الكبير بدون أن ينقل الملكية، ثم يبيع السيارة أو غيرها ومالكها موجود فينقل الملكية للمشتري الحقيقي الذي لديه السيولة.
وفي رصد صحفي امتاز بالمهنية قامت به هذه الصحيفة «مكة» أورد حديثا لمن يعرف بـ»أبو رمش» وهو يصرح في تحد عجيب قائلا: أقرب مهلة للسداد لن تكون قبل الشهر الرابع من العام المقبل 1436 هـ 2015، ثم أردف قائلا: صبركم علينا!
كما رصدت الصحيفة -من خلال الالتقاء بعدد من المرتادين للمعارض وبيع السيارات- ظهور أكثر من شخص ممن يعرفون بممارسي الترميش، ولكن يعملون لحسابهم الشخصي، مما يشير إلى أن ممارسة هذه الصفقات لم تعد محصورة على شخص بل تجاوزته لممارسين آخرين، وهذا ما يدعو إلى المزيد من التخوّف من تفشي هذه الظاهرة الجديدة التي بدأت في شمال غرب المملكة فتحولت سياراتها الخربة إلى مركبات فارهة، ببيع سلعة بالآجل بأضعاف قيمتها الحالية في السوق بكمبيالة تحوي تاريخا آجلا وشاهدا على البيع وتوقيعات بدون أختام، حتى باتت الظاهرة حديث المجالس فيعتقد البعض جازما أن الترميش مصدر سريع للثراء.
وبالتأمل في حال هذا العقد يتبين أنه يهدف إلى الحصول على أموال البائعين، بغض النظر عن الالتزام باستيفاء مديونياتهم، وبعض المتاجرين فيه لهم أهداف كتجفيف جيوب صغار البائعين في السوق، والمماطلة في السداد، ثم استخراج صك إعسار للتهرب من المحاكمة أو التخفِّي عن القضاء بالسفر خارج البلاد.
إن بيع الترميش في صورته الحالية سبيل للغرر والخداع والتلاعب بحقوق الناس ومماطلتهم، ويفترض أن تضع الجهات المعنية الشروط والأحكام لضبطه وتعيين جهة رقابية تُشرف عليه وتُنظِّم الأطراف المتاجرة فيه، وقد نصَّت القاعدة الفقهية على أن غبن المسترسل حرام، كالغبن في تلقِّي الركبان، والنهي عن البيع مع الشَّرط، وقد تقرر عند الأصوليين أن طرق الحرام تابعة لها.
وقد تنادى البعض إلى التحذير من الترميش كرئيس مجلس أمناء الفقه الإسلامي وغيره، وكان آخر تلك التحذيرات ما تضمنته تغريدة معالي وزير التجارة والصناعة الدكتور توفيق الربيعة التي حذر فيها - بالاسم الصريح - مما يعرف بالترميش في بعض المناطق!
وفي تصوري أن هذا التصريح لا يكفي، بل المفترض أن تتحرك الوزارة وبشكل فاعل ينتج عنه إيقاف كل من يثبت لديه التلاعب والتحايل، والقيام بحملة وطنية لتنبيه البسطاء وتحذيرهم من تلك الشركات والأشخاص الذين يمارسون أنواعا من الحيل للاستحواذ على الأموال، وتوعيتهم بألا يتعاملوا إلا مع البنوك المعتمدة والشركات الموثوقة والتي تحمل تصريحا صريحا وساريا لنشاطها الذي يفترض أن يكون تحت إشراف الوزارة ذاتها ووزارة المالية ومؤسسة النقد معا.
المشكلة الكبرى في مثل هذه البيوع أنه لا يوجد لها أي ضمانات، فالمسألة تكمن في كيفية استدراج الشخص حتى يسيل لعابه بإعطائه أضعاف قيمة سلعته، ومن ثم الاستحواذ عليها وبيعها ونقل ملكيتها على المشتري الحقيقي الذي يملك السيولة، والوسيط خارج الإطار!
ومن المؤسف أن الناس لا يعتبرون من التجارب السابقة، والسعيد من وعظ بغيرة، وهكذا يتعاقب الزمان بين الحين والآخر ظهور تعامل أو بيع جديد بمسمى مختلف وبطريق مغاير، يسقط فيه البسطاء دفعة واحدة بلا تقسيط، والهدف القريب لديهم هو الحصول على المال بأسرع وقت وبأقل جهد، أما النهاية فهي الضياع وتجرع الحسرة واحتساء كأس التندم.