ارتفاع متواضع لأسعار الفائدة في خمسة أعوام مقبلة

مع استمرار آثار الأزمة المالية العالمية، ومع عدم ترجيح عودة نسب الاستثمار إلى إجمالي الناتج المحلي في كثير من الاقتصادات المتقدمة إلى مستويات ما قبل الأزمة، وهذا ما تتوقعه دراسة لبحوث آفاق الاقتصاد العالمي في صندوق النقد الدولي، فقد يحدث ارتفاع متواضع في أسعار الفائدة، مستفيدة من تراجع طفيف في العوامل المؤثرة السابق ذكرها، حيث انخفضت أسعار الفائدة أو العائدات على الأصول بجميع آجال استحقاقها في جميع أنحاء العالم منذ أوائل ثمانينات القرن العشرين، فبلغت مستويات أقل كثيرا من مستويات انخفاض التوقعات التضخمية، إذ تراجعت على مدار عشر سنوات عبر البلدان من متوسط 5.5 % في ثمانينات القرن العشرين إلى 5.5% في تسعينات ذلك القرن، إلى 2 % خلال الفترة من 2001 – 2008، وإلى 0.33% خلال الفترة بين عامي 2008 – 2012.
وبينما هيمنت السياسة النقدية على تطور أسعار الفائدة الحقيقية في ثمانينات وأوائل تسعينات القرن العشرين، كان تحسن السياسة المالية العامة في الاقتصادات المتقدمة هو العامل الأساسي وراء التراجع في أسعار الفائدة الحقيقية خلال الفترة المتبقية من تسعينات القرن العشرين، غير أن العوامل سالفة الذكر أصبحت في الآونة الأخيرة تقوم بدور حاسم في هذا الشأن.
الباحثان في صندوق النقد الدولي أندريا بسكاتوري، وديفيد فورسيري، يعزوان تراجع أسعار الفائدة الحقيقية في أواسط «الألفينات» غالبا إلى عاملين رئيسيين، هما: تخمة المدخرات الناشئة عن اقتصادات الأسواق الصاعدة، وخاصة الصين، وتحول أفضليات المستثمرين إلى الأصول ذات الدخل الثابت كالسندات بدلا من حصص رأس المال، كالأسهم.
وبينما يفرض كلا هذين العاملين ضغوطا خافضة على أسعار الفائدة الحقيقية عالميا يتزايد التوجه نحو العودة المتوقعة للاستثمار في حصص رأس المال.
وقد أدت الزيادة الكبيرة في معدلات الادخار في اقتصادات الأسواق الصاعدة، وخاصة في الصين، في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين إلى أكثر من نصف الانخفاض المشاهد في أسعار الفائدة الحقيقية.
ولم يحدث ما يعوضه جزئيا انخفاض معدل الادخار في الاقتصادات المتقدمة.
ويبدو أن ارتفاع نمو الدخل في اقتصادات الأسواق الصاعدة في هذه الفترة كان أهم عامل وراء زيادة المدخرات.
ويمكن إرجاع أكثر من نصف الانخفاض في أسعار الفائدة الحقيقية خلال العقد الأول من ألفينات القرن الحالي إلى زيادة الطلب النسبي على السندات.
ويعكس هذا التحول زيادة في درجة المخاطر التي تقترن بحصص الملكية، مع ارتفاع الطلب على الأصول الآمنة بين اقتصادات الأسواق الصاعدة لزيادة تراكم الاحتياطيات الأجنبية الرسمية.
وفي أعقاب الأزمة العالمية، ظل هذا السببان يساهمان في انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية، ولكن بدرجة أقل في الوقت الحالي.


مبررات الارتفاع المتواضع

ترجح الدراسة أن يتوافق ارتفاع أسعار الفائدة مع عودة أوضاع الاقتصاد العالمي إلى منوالها الطبيعي، مشيرة إلى أن العودة تحقق تحولا في المسار الهبوطي السابق الذي أوصل هذه الأسعار إلى أرقام سالبة بعد الأزمة المالية.
يشار إلى أن استمرار أسعار الفائدة الحقيقية المنخفضة، أي السعر الذي يدفعه المقترضون ناقصا معدل التضخم المتوقع، سوف يخفف أعباء الدين على المقترضين، لكنه قد يمثل عائقا أمام صناع السياسات.
الباحثان أندريا بسكاتوري، وديفيد فورسيري يريان أنه في مناخ تسود فيه أسعار الفائدة الحقيقية المنخفضة يمكن أن تزداد كذلك احتمالات وصول سعر الفائدة الاسمي في المستقبل إلى النطاق الأدنى، أي النطاق الصفري، وهو ما قد يؤدي إلى فقدان أداة رئيسة من أدوات السياسة النقدية، وهي تخفيض أسعار الفائدة لتنشيط النمو.
ومع احتمال تعرض الاقتصادات المتقدمة لمخاطر استمرار النمو بالغ الانخفاض، فمن الممكن أن تتحقق هذه القيود.
ويتوقعان لأي زيادة حاليا في أسعار الفائدة الحقيقية أن تكون متواضعة، لأن العوامل الأساسية التي ساهمت في انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية من قبل لا يرجح أن تتراجع، إذ سجلت اقتصادات الأسواق الصاعدة زيادة كبيرة في معدل الادخار بين عامي2000 و 2007، مما أدى إلى انخفاض أسعار الفائدة.
كما زاد الطلب منذ الأزمة على الأصول الآمنة، وهي السندات مقابل الأسهم وحصص رأس المال الأخرى متزايدة المخاطر، وكان ذلك راجعا أيضا إلى زيادة تراكم الاحتياطيات في اقتصادات الأسواق الصاعدة.
وما لم يطرأ تغير كبير غير متوقع في السياسات، فمن المرجح أن يستمر هذا الاتجاه العام.
كما أن من المرجح استمرار تراجع معدلات الاستثمار في الاقتصادات المتقدمة نتيجة الأزمة المالية العالمية، والتي من المحتمل أن تستمر مسيطرة خلال خمس سنوات مقبلة.


استمرار تأثيرات الأزمة المالية

وتخلص دراسة صندوق النقد الدولي إلى أن آثار الأزمة المالية العالمية سوف تستمر على الأرجح على مدار السنوات الخمس المقبلة، بينما لا يرجح أن تعود نسب الاستثمار إلى إجمالي الناتج المحلي في كثير من الاقتصادات المتقدمة إلى مستويات ما قبل الأزمة.
وترجع الزيادة المتوقعة المحدودة في أسعار الفائدة الحقيقية وتكلفة رأس المال في جانب منها إلى العوامل الدورية.
فأسعار الفائدة الحقيقية شديدة الانخفاض في السنوات القليلة الماضية تعكس فجوات كبيرة بين الناتج الفعلي والناتج الممكن في الاقتصادات المتقدمة، غير أن الدراسة ترِّجح بقاء أسعار الفائدة الحقيقية وتكلفة رأس المال منخفضة نسبيا حتى مع اختفاء مثل هذه الفجوات.
ومن حيث إجراءات السياسة، إذا ظلت أسعار الفائدة الحقيقية دون معدلات نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي، قد لا تؤدي زيادة الاستثمارات العامة إلى رفع نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي على المدى المتوسط، وسوف تستخدم زيادة النمو عندئذ في تمويل أعباء المديونية الزائدة.
وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، يشار إلى أن استمرار أسعار الفائدة الحقيقية المنخفضة لفترة ممتدة يمكن أن يعني سعر الفائدة الأساسي المحايد، أي معدل متوافق مع النمو الممكن، سوف ينخفض عما كان عليه في تسعينات القرن العشرين أو أوائل ألفينات القرن الحالي.
ويمكن أن يؤدي ذلك أيضا إلى زيادة احتمال وصول سعر الفائدة الاسمي إلى النطاق الأدنى الصفري إذا ما تعرض الطلب لصدمات مناوئة مع تضخم مستهدف قدره 7 % تقريبا، وهو ما يمكن أن ينطوي بدوره على انعكاسات بالنسبة لإطار السياسة النقدية.