دكاكين حكومية تبعثر أوراق التخطيط العمراني
الأربعاء، ١٧ ديسمبر ٢٠١٤
ليس بدعا من الأمر أن نتحدث عن أهمية تخطيط المدن وفقا للمعايير الصحيحة في الإنشاء، فضلا عن بلوغ صفة الاستدامة العمرانية القادرة على استيعاب التنامي المستمر في الكثافة السكانية، لا سيما ما يتبع ذلك من ضرورات حياتية شتى تجعل حياة الإنسان على أرض المملكة أكثر اطمئنانا وراحة وأمانا.
ومن هذا المنطلق نسبر غور هذه القضية في حلقتها الأولى، فنقارب أهم تجليات خطاب التخطيط العمراني المستدام، على أمل أن تكون تلك المقاربة العامة وصايا ملحة في الذهنية التخطيطية المقبلة لإدارات التخطيط في مؤسسات الدولة ذات الصلة، وكذلك فيما يتعلق بها - بضرورة العمل - من إدارات مرورية وخدمية شتى.
حوادث مرورية سببها المسارب الضيقة
يرى مدير مركز بحوث علوم الهندسة والعمارة بمعهد البحوث العلمية، وعضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى، الدكتور طلال بن حسن، أنه ليس أشد خطورة على السكان واستقرار المجتمع المدني من الأحياء المنغلقة على ذاتها، لاستحالة وصول معظم الخدمات إليها، مما يجعلها فريسة لمشكلات الصرف الصحي والتمديدات الكهربائية وشبكات الاتصالات، مؤكدا تداعيات الموقف، بالإشارة إلى الجانب المروري واستحالة تطبيق ضوابطه وقوانينه بهذه الأحياء، الأمر الذي يفرض استقامة الطرقات الرئيسة الكبرى التي تربط أحياء المدينة، بينما تسير حركة النقل باستمرار في الطرقات الرئيسة التي تحيط بتلك الأحياء، وهذا ما يساعد على زيادة الازدحام في تلك الطرقات.
ويضيف: كثير من الحوادث المرورية تنشأ عن رغبة البعض في ولوج تلك الأحياء عبر مسارب ضيقة وملاصقة لبيوت الحي.
بعض الأحياء بؤر للجرائم
أكد الباحث في الأمور النفسية الاجتماعية، الدكتور أحمد الحريري، أن تلك الأحياء بمثابة البؤر التي تحتضن الجرائم على اختلاف أشكالها، لانعزالها عن النسق المجتمعي، ثم إن القاطنين فيها يضيقون بمرور الوقت من انعزالها الأمر الذي يتسبب في صعوبة وصول الطرق والخدمات إليها، فيهجرونها، تاركين فرصا سانحة للعمالة المتسيبة، ولإنتاج عشوائيات جديدة على الأطراف.
المطلوب صياغة تخطيطية دقيقة
يؤكد المهندس سعيد الرحيلي، من أمانة المدينة المنورة، على ضرورة تخطيط المدن على أساس صياغة تخطيطية دقيقة لشبكات الحركة المرورية، شاملة الطرق بدرجاتها ومستوياتها.
ويقول: عندما تقام المدن بأخطاء منهجية في التخطيط والتنفيذ تفضي إلى مشكلات الاختناقات المرورية، بسبب ضيق الشوارع وانغلاق الأحياء وندرة عدد المخارج والمداخل، فإن ذلك يجعل الدخول للحي والخروج منه صعبا، ناهيك عن زيادة عدد التقاطعات الداخلية، وبالتالي فإن انضمام إدارة المرور لهذه المنظومة الاجتماعية الخدمية أمرا ملحا، للحيلولة دون تراكم تلك الاختناقات والحوادث المرورية، ومن ثم صياغة الاقتراحات المناسبة التي يمكن لإدارات النقل والبلديات أن تعالج من خلالها بعض تلك الأخطاء التخطيطية العمرانية.
وجود المرور ضرورة ملحة
المواطن خالد الجهني يطالب بوجود المرور في الأماكن الأكثر سوءا في التخطيط، لأنه عندما يجعل المسؤولون عن تخطيط الأحياء مخرجا أو مخرجين بعرض 20 مترا لأكثر من 10 أحياء ـ كما هو حاصل في أحياء حمدانية جدة، فمن البديهي أن تحدث تلك الاختناقات، ومن الملاحظ بجلاء غياب العمل داخل بنية مؤسساتية متسقة داخل بلادنا في كثير من المشاهد، فما تنهض به أمانات المدن وبلدياتها تتنصل منه إدارات المرور والعكس صحيح، وهذا ما جعل كل مؤسسة حكومية تغني على ليلاها بنظام الدكاكين.
سوء التخطيط أفرز العشوائيات
يشير الباحث الاجتماعي، وعضو هيئة التدريس في جامعة الملك سعود، الدكتور ناصر العمران، إلى صعوبة وصول سكان العشوائيات إلى منازلهم أثناء خروجهم منها لقضاء أعمالهم، لأن تلك الأحياء لم تكن ضمن الخطة العمرانية الجديدة، التي ترتبط بها بقية منظومتها السكانية بسهولة وأمان، فبقيت منغلقة كما هو كائن في المنطقة المركزية التي تضم أحياء جدة القديمة في الجنوب الغربي للمدينة، مما أدى إلى هجرة سكانها الأصليين، ثم اقتحامها من قبل العمالة السائبة المتنوعة في أجناسها وأديانها وثقافاتها، لتنتج هجينا بشريا لا يعيش حياة طبيعية بقيم دينية وإنسانية مشتركة، فتعددت أشكال وألوان الجريمة، ليتم تصديرها بعد ذلك إلى باقي أرجاء المدينة في غفلة من الرقيب على تلك الأحياء.
المقومات الأساسية مغيبة
من سلبيات عشوائية التخطيط، عدم توافر الأحياء على مقومات بالغة الأهمية كالمراكز الثقافية، والنوادي الترفيهية والحدائق العامة، فضلا عن غياب المقومات الأساسية لمنظومة البنى التحتية التي لا تقوم الحياة إلا معها، وقد اختصر هذا المحور عالم المدن، الدكتور سبيرو بولايز، من جامعة هارفارد عندما قال: البنية التحتية القادرة على صياغة حياة سعيدة للسكان داخل المجتمع لا بد أن تشتمل على 6 أنظمة هي:- الطاقة، والمياه، والغذاء، والمواصلات، والمسطحات، والوسائل المعلوماتية، وبالتأكيد فإن الواقع يفصح عن غياب مرير لتلك الأنظمة بالمناطق العشوائية للدرجة التي ربما لا تجد فيها سوى نظام واحد في أحسن الحالات.
التقاطعات تسبب الاختناقات
على أساس أن الاختناقات المرورية تتناسب طرديا مع كثرة عدد التقاطعات داخل المدينة، فإن التخطيط العمراني المثالي هو الذي يختزل معه التقاطعات إلى عدد لا يمكن الاستغناء عنه، ولعل ما نشر مؤخرا عن مدخل العاصمة المقدسة يؤكد على تلك الاختناقات المريرة، بسبب تقاطعات الإشارات المرورية المبالغ في إنشائها على مساحة محدودة جدا.
واتفق كثير من المستفيدين على أنه يجب ألا تقل المسافة بين التقاطعات عن أربعة كلم بأي حال من الأحوال، ومن تعب تلك التقاطعات ولدت فكرة الجسور والأنفاق، التي تهدف إلى تحرير التقاطعات المعطلة، لأجل تعزيز انسيابية الحركة المرورية، في ظل الغياب المؤلم لوسائل نقل لا يمكن أن تغيب، كالقطارات والمترو والـ (sup way)، لكن إنشاء تلك الجسور والأنفاق يجب أن يعتمد على قواعد رئيسة مثل حتمية ملائمة التضاريس البيئية للجسر دون النفق مثلا أو العكس، أو عدم إنشاء أي منهما.
ويخصص ابن حسن تلك التضاريس في وجود المجاري الطبيعية للمياه، وأنواع التربة، والأوضاع الكيولوجية العامة.
الأنفاق ليست حلا بالمدن الساحلية
يرى سعد بن سعيد الزايدي، من سكان حي الحمدانية في جدة، أن الأنفاق ليست حلا ناجعا في المدن الساحلية كمدينة جدة، لارتفاع منسوب المياه الجوفية، وعدم وجود شبكة تصريف للشوارع المحيطة، أو فشل الشبكة في تصريف المياه بعيدا عن الأنفاق، وفي تلك الحالة فإن المضخات لن تنفع في ضخ المياه الجوفية المتسربة.
ويشير المستثمر العقاري، علي الشيخي، إلى أن الحل عندما يكون الشأن حتميا في وجود الأنفاق، هو تعديل مناسيب مداخل ومخارجها، ووضع أنظمة صرف متعامدة مع الشوارع عند مداخلها لاعتراض المياه المتدفقة إليها ونقلها إلى شبكة تصريف مياه الأمطار.
عرض الشوارع السريعة لا يقل عن 100 متر
باستقراء عام، شمل مهندسين في إدارات تخطيط المدن ومواطنين ذوي علاقة من أصحاب مخططات ومكاتب عقار وأعضاء في المجالس البلدية، بات واضحا أن الشوارع في التخطيط العمراني المستدام على عدة أنواع، تتفاوت معها مسافة العرض المناسبة لأي منها، فالطرق السريعة أو الدائرية يجب أن تمتد لاستيعاب 5 أو 6 مسارات في الاتجاه الواحد بعرض 100 متر، والطرق الشريانية التي تتحكم في مسار الحركة المرورية داخل المدينة يجب أن تمتد لأربع مسارات في الاتجاه الواحد بعرض 80 مترا كأقل ما يمكن، في حين أن الشوارع الرئيسة الكبرى المتفرعة من الطرق الشريانية الأكبر ينبغي ألا يقل عرضها عن 60 مترا، ثم تتناقص هذه النسبة لـ40 مترا في الشوارع الفرعية، التي تربط بين عدة أحياء حتى تصل إلى 20 مترا للشوارع داخل الأحياء، وبالتالي كلما قارب عرض الشوارع باختلاف أنواعها هذه القياسات، فإن فرصة تفادي مشكلات الطريق المرورية تكون أكثر احتمالا.
مساحة الخدمات في المخططات لا تكفي
وفقا للنظام العمراني الجديد فإن النسبة التي يجب أن تترك من مساحة المخطط للخدمات المتنوعة التي ينتظرها السكان هي 33%، لكن الحديث عن كون هذه المساحة المتبقية لا تكفي لخدمات المخطط من المساجد والمراكز والنوادي والحدائق، سيكون مفرغا من قيمته ومبرراته، في ظل عدم تفعيل تلك المساحة المتبقية أو أقل منها في تأمين أهم ما يحتاجه الحي من خدمات تعليمية وثقافية واجتماعية وترفيهية، فكثير من المخططات تخلو من حديقة واحدة، وربما ينتظر السكان خمس أو ست سنوات حتى تصدر التراخيص بالبدء في تشييد مدرسة هنا أوهناك، ولن يكون الأمر جديدا إذا صمم المخطط بلا مراكز معلوماتية واجتماعية وترفيهية، لكن الأشد من ذلك أن السكان لا يجدون نصف تلك المساحة على واقع الحي.
ويؤكد ريان الغامدي أنه لا يجد كل ما يحتاجه في حيه، فيضطر للخروج منه للذهاب إلى مستوصف، أو مجمع تعليمي لتدريس بنات الحي في المراحل المتوسطة والثانوية، أو إلى النادي الخاص، حتى جامع صلاة الجمعة لا يجده إلا على أطراف المخطط.