البلاغة تتحول ولا تموت

رهان اللغة الأوّل هو نجاحها الفائق في تحقيق التواصل، وفي خلق أعلى درجة من درجات التفاعل فيما بين البشر، فهي لهذا وجدت، فكان احتفال القائمين عليها بتشييد العلم الدقيق والباذخ في مستويات الصوت والصرف والمعجم والنحو أو التراكيب، وبهذا ازدهر معمارها، وعظمت قصورها، وما زالت تتعالى أبنية تلك العلوم وتتسامق حتّى كانت البلاغة وتحوّلاتها، وعلوم النص وتحليل الخطاب، وعلوم الأساليب والسرد، وأبنية التراكيب ومعانيها ودلالتها، ووسائل الحجاج والإقناع وطرائقها، كلّ هذه وغيرها الكثير الكثير، من المفاهيم والمصطلحات والمناهج والمبادئ والطرائق والوسائل، التي انصبّت على تحليل أركان التواصل الثلاثة التي تشكّل دائرة الإبداع وهي؛ المرسل والمستقبل والرسالة التي بينهما.
إنّ أصل البلاغة من تبليغ الرسالة، وإيصال المقصود، وبلوغ الغاية، وتحقيق المراد، وقد اتّصلت بالخطابة وتحليل الخطاب في أوّل الأمر، وحفلت بالحجاج والإقناع سواء بالمنطق العقليّ أو بالتأثير الانفعاليّ العاطفيّ، حتّى صارت عِلمًا راسخًا في العربيّة، وعَلَمًا على علوم ثلاث هي؛ البيان والبديع والمعاني.
إنّ هذه العنوانات جميعها لتعلي من قيمة الرسالة اللغويّة، وتضع المبادئ والرسوم والأسس الكافية لبحثها بوصفها مجمعًا حواريًّا مقدّسًا؛ يصل ما بين الإنسان وخالق الإنسان في رسالات السماء. وما بين الإنسان والإنسان في حوار العقل والروح لخلق وجود محتمل، أو حياة تطاق. وما بين الإنسان ومكوّنات الوجود الطبيعي المسخّر له، من مستلزمات الكون الحيّ الخلّاق.
فالبلاغة؛ علم في المقام والمقال، ومطابقة الكلام لمقتضى الحال، فهي بين رسالة تتحقّق، ومستقبِلٍ يوصله الكلام إلى غايته ومبتغاه. وتحليل الخطاب؛ بحثٌ في بناء القول والكلام وتشقيقه، وكشف في مكوّنات الرسالة وما يكتنفها كذلك. والحِجاج؛ نظر عقليّ تشفّ فيه رسالة اللغة، وتسمو على أثقالها، وتلقي بسلطانها، على لسان مخاطِب بليغ، لتصل إلى أذن سامع واعٍ أريب.