العمارة الغربية تتحدى الفضاء
الأربعاء، ٢١ يناير ٢٠١٥
دائما ما تدهشنا تلك المباني الشاهقة، التي تناطح السحاب، وتحاول استعمار الفضاء بمصاعدها العالية وطوابقها المتعددة.
مبان وأبراج عالية وعاتية، نشيدها لنرضي غرور العظمة فينا، إلا أنها في الواقع تفضح حقيقة حجمنا في هذا الكون الكبير.
منذ القدم ومع بداية الهندسة العمارية، عاش الإنسان في بحث دائم عن الأعلى، من برج بيزا في إيطاليا، وبرج إيفل في فرنسا، وصولا إلى ناطحات السحاب القائمة في أهم مدن العالم وعواصمه.
كل تلك البنايات الشاهقة، احتاجت إلى هندسة دقيقة، وأيادٍ بناءة ماهرة، وشجاعة، للنهوض والصعود بالحجارة والاسمنت والفولاذ نحو الغيوم والنجوم.
منذ القدم ونحن نبني ونشيد ونصل إلى فوق، لكن الطموح والعظمة والغرور تبقى أعلى، وكلما تقدمت بنا السنوات، ارتفعنا أمتارا قليلة نحو السماء، مع مساعدة تقدم التقنيات والتكنولوجيا.
لكن الدوافع وراء تشييد تلك الصروح العملاقة، اختلفت بين الماضي والحاضر، ففي الحضارات القديمة، كانوا يتوقون إما للوصول إلى السماء حيث الجنة، كما حاولوا مع برج بابل، وإما أنهم أرادوا تعظيم ذواتهم وتخليد ذكراهم إلى الأبد، كما حصل مع الفراعنة وأهراماتهم.
أما اليوم فأصحاب الشركات العقارية التي تبحث عن الربح المادي، تشيد مدنا عمودية بدلا من المدن الأفقية التي تستهلك مساحات شاسعة من الأراضي، والارتفاع بالنسبة إليها يعني الوصول إلى باب خزنة الأموال والاستثمارات، غير أن غرور العظمة يبقى حاضرا أبدا في الإنسان، فترى هذا الأخير يقيس أعلى رأس العمود الهوائي المزروع على أعلى نقطة في سطح العمارة المكونة من نحو مئة طابق، ليسجل فقط الرقم الأعلى.
10 طوابق باكورة المباني الشاهقة
حتى القرن الـ19، وقبل اختراع المصعد المتحرك، كان من النادر مشاهدة مبنى مؤلف من أكثر من ستة طوابق، إذ لم تكن عملية تسلق السلالم العديدة مستحبة، عند الناس، أضف إلى ذلك صعوبة إيصال المياه بسبب ضعف الضغط المائي إلى ارتفاع أكثر من 15 مترا؛ لكن الحال تغيرت مع ابتكار المصعد ومضخات المياه وتطوير مادتي الحديد والفولاذ، فقد أدت تلك المادة دورا رئيسا في إطلاق العنان لمخيلة المهندسين نظرا إلى خفة وزنها وصلابتها في الوقت ذاته، ما دفعهم إلى تشييد المباني الشاهقة التي تخطا بعضها ارتفاع 300 متر.
وأول باكورة أعمالهم مبنى شركة هوم أنثو برنس المؤلف من عشرة طوابق في شيكاجو، من تصميم المهندس وليام لوبارون.
وقد بدأت عملية البناء عام 1884، وانتهت عام 1885، غير أن المبنى بذاته دمر في العام 1931، ليفسح المجال أمام تشييد عمارة أطول وأحدث.
بعد ذلك تم تشييد المباني السكنية العالية في أمريكا، وشاء القدر أن يسهم الهنود، وتحديدا هنود قبيلة مواوكس في كندا، أقران الهنود الأمريكيين في بناء مدن أمريكا الحديثة.
العمارة العربية تحاكي الغربية
إذا كانت ناطحات السحاب في أمريكا وأوروبا ترمز إلى القدرة العلمية الفائقة وتحدي الإنسان للفضاء فإن هذا الأمر قد انتقل إلى البلاد العربية، فهناك برج خليفة بالإمارات وبرج الساعة الشاهق في مكة وأبراج أخرى كثيرة لا تقل روعة وأهمية عن ناطحات السحاب في أوروبا.
إذا حاولنا اكتشاف سر العمارة في المنطقة العربية وجدناها تقترب من وجدان الإنسان وتحاول أن تمجد من دوره في الحياة وبعد الموت ونظرة واحدة على الأهرامات الثلاثة تدرك مدى الفكرة العميقة لدى قدماء المصريين في الاحتفاء بالإنسان بعد الموت.
وفي العصر الحديث جاء شيخ المعماريين حسن فتحي ليحقق شعار عمارة للفقراء لا ترتفع لكن تمنح الضوء والظل والأمان.
استطاع فتحي أن يؤسس وينشئ قرى نموذجية في أمريكا ومصر لتحتوي الإنسان البسيط وتساعده على الارتقاء بذاته.
كما أنشأ قرية القرنة ومسجدا في البنجاب وقرية باريس وغيرها من الإنجازات التي لم تكن تطمح إلى اعتلاء الفضاء بل إفساح مجال للإنسان ليمارس سعادته وإبداعه.