ركض الدعاة حول مرمى الإسلام

في اتصال هاتفي، تقدم موظفة تسويق خدمات الإنترنت للمرأة التي ترد على الهاتف، المكالمة المسجلة لا أعرف أسباب ترويجها غير السبب الذي سيأتي ذكره لاحقاً.
المرأة العجوز في الطرف المقابل بعد الشكر وتعريف الموظفة بأنها «تقدر خدماتها وتعرف حجم العمل الذي تقوم به» توضح أنها لا تحتاج إلى هذه الخدمات لأنها كبرت بالسن وأصيبت بالعمى، ولم تعد هذه الخدمات تفيدها، حتى خدمة التلفزيون الرقمي التي عرضتها عليها الموظفة لا تستطيع الاستفادة منها، وأنها تتعامل مع التلفزيون كجهاز راديو.
الحوار بين السيدتين، والاعتذار، وحياة العجوز السعيدة وأمنياتها للشابة بمثلها، ورد الموظفة المؤدب بأنها لو تعاملت مع امرأة واحدة في الشهر بمثل هذا الأدب فإنها بالطبع ستكون سعيدة، مشهد لا يمكن رؤيته إلا في دول متحضرة ومتقدمة. اعتذرت العجوز من الموظفة بأنها ستطرح عليها سؤالا شخصيا بعد أن قرأت في لهجة الموظفة ما أوحى لها بهذا السؤال:
ـ هل أنت من شمال أفريقيا؟ فردت الشابة بالإيجاب وتبادلت المرأتان تحية الإسلام.
عرفت المرأة المسنة نفسها بأنها «إليز» وشرحت الاسم لفتاة شمال أفريقيا بأنه أقرب لمعنى «المصطفى»، لأنه أصول الاسم اللاتينية تعني «المنتخب»، وأقرب تفسير لمعناه يقرب الأمر للفتاة التي هي من أصول شمال أفريقية تمهيدا للحوار الذي سيستمر بين المرأتين.
سألت العجوز الشابة: هل أنت مسلمة، فأجابت بنعم، المرأة الكبيرة بالسن تعلمت العربية قبل المكالمة بأربع سنوات فقط في دروس جامعية، وأضحت للشابة أنها ليست مسلمة ولكنها من كل قلبها تشهد أن «لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله»، نطقتها عبر الهاتف ووصلتنا عبر صوتها الكبير في المكالمة التي تم تداولها عبر وسائط الاتصال. الفتاة المتأثرة اضطرت للإنصات لامرأة توفي زوجها وقرأت القرآن وليست مسلمة وعرفت أن الفتاة عربية ومسلمة وهي عمياء ولم تكن تنتظر اتصالا هاتفيا لتقديم خدمات الإنترنت، وأنها مثلما قرأت القرآن وساعدها فإنها بالطبع قرأت الإنجيل وتقرأ في البوذية، لتوصل رسالة بوضوح: «اعذريني يا صغيرتي فليس الجميع متعصبين».
نبرة المرأة الكبيرة في السن تبدأ بالتأثر والفتاة كذلك «لقد ساعدتني سورة البقرة كثيراً،/ وعندما تطمئنين يا صغيرتي بأن الله لا يكلفك أكثر مما تستطيعين أن تتحملي، ويساعدك اليائسون فقط، لا يجب علينا الوقوع في التعصب لأي شيء». قبل أن تنتهي المكالمة المؤثرة للطرفين، طلبت الشابة من المرأة المسنة أن تسمح لها بالاتصال بها مرّة أخرى، وطلبت المسنّة أن تختم بكل الحب المكالمة بكلمة صغيرة بالعربية، كانت دعاء لكل شعوب العالم بالسلام وبرحمة الله وشفاء القلوب من الضغينة، معطية الشابة نصيحة بأن لا تفقد شجاعتها أبداً، وأنه من المخجل أن يجعلوها تغيّر اسمها مختتمة المكالمة بكلمات الحب والحياة.
لنعقد مقارنة صغيرة بين ما حدث في هذه المكالمة وبين ما يحدث من بعض الدعاة، سواء كان يحدث ذلك في منبر أو زيارة دعوية أو مخيّم أو عبر مواقع التواصل ولغتها، أو عبر وسائط الاتصال، أو حتى عبر صورة لرحلة دعوية.
لنأخذ السائد ونقارن، آخر نموذج دعوي وهذه المكالمة.
شخصياً قبل هذه المكالمة استمعت إلى رجل «يصرخ» عبر مكبرات الصوت بالتحريم والتهويل من شرور الغناء وأن المراد بنا هو شغلنا عن ديننا وإفساد أخلاقنا... إلخ.
وقبله بثلاثين عاماً صدحت كل المنابر وأماكن العبادة وأشرطة التسجيل بأصوات أخافتنا ولا يزال أثر الخوف ينبت في ثيابنا. خذوا معظم نبرات الدعوة ونماذجها وتجاربها التي تم تدوينها من متراجعين أو تائبين عن هذا الوسط المشحون والمحتقن لحياة هادئة وبسيطة.
هل ما زلنا نمارس نفس أخطاء الدعوة التي ارتكبت في حقنا وقادتنا إلى طرق مسدودة في التعريف بفضائل الإسلام وأخلاقه؟
هل ما زال هناك دعاة يشتغلون على عاطفة الناس لاكتساب الشعبية والجماهيرية ويستغلون كل الوسائل للوصول إلى مبتغاهم؟
لنراجع ذاكرتنا قليلا وواقعنا كثيراً، نحن المجتمع الحديث الذي يدخل العالم بقوة وسرعة هائلة، أين موقع حاجتنا للتعريف بديننا وعبر من؟ ما هو نموذجنا وكيف نقدمه؟
العجوز العمياء البلجيكية، التي تم الاتصال بها بالصدفة، وتسجيلها بالصدفة، وانتقالها عبر وسائلنا ببساطة، لا تعرف أيا من دعاتنا ولا نبراتهم، لكنها كانت أقرب منهم جميعا لفهم ربها ومعرفته والإيمان به وبإنسانيتنا وحاجتنا إلى الحياة.

hoshan.a@makkahnp.com