مظاهر الخلل وأضرار التنظيم السري على العمل الإسلامي
الاثنين، ٢١ أبريل ٢٠١٤
كما أسلفت في مقال سابق من أن النتائج والآثار مشتركة في العمل السري لسائر المشاريع الإسلامية وغيرها، فإنني أكرر هنا ما قلته هناك مع فارق القيم والأخلاق الإسلامية المؤثرة بنسبة ما، فالخلل والأضرار الناجمة عن العمل السري مشتركة في معظمها، يعود ذلك إلى طبيعة الإنسان المشتركة في التأثر بالعالم المحيط به على مستوى المادة وعلى مستوى المعاني.
من مظاهر الخلل والأضرار البارزة في العمل السري:
1ـ انتشار التأسن الفكري والأخلاقي:
إن الإنسان مثل الزرع، حين يتربى وينمو في الشمس والهواء والعراء يشتد عوده ويطيب ريحه ويزداد نقاء ومناعة من الأوبئة والجراثيم، أما حين يتربى في الأماكن المغلقة والكهوف والخرابات فإنه يتعفن ويضعف ويصبح مصدر وباء.
والإنسان الذي يعلن عن نفسه ويظهر بحقيقته ويراه الناس ويواجه خصومه ويستمع إلى رأيهم فيه وتناله السهام ويصمد لها ويرد عليها، يصحح مسيرته ويعدل في آرائه وأفكاره، ويستجمع قواه لمواجهة الحياة، ويذوق طعم الفوز مرة ويتجرع مرارة الهزيمة أخرى، ويربح النصائح والخبرة من المتابعين له والمحبين له الخير.
كل ذلك كفيل بأن يصنع فيه التجدد والصعود والقوة والتأثير والتألق وأفكار الإنسان هي الإنسان ذاته تسير على مستواه وعلى قدر أدواته.
أبناء الحركات السرية دائماً يعانون من ضعف في الجانب الفكري وجانب الجودة العملي أيضاً مهما بلغوا من سمعة ومن شهادات إلا القليل منهم الذين ساعدتهم صفات متميزة، ومع ذلك هم في شغل عن عقولهم وعلمهم، لأن العقليات (تأسن وتتعفن) بسبب البيئة السرية وثقلها وضيقها وبعدها عن الظهور والوضوح، وكل عضو فيها يجب أن يكون بعيداً عن الأنظار والملاحظة، زيادة على ما فيها من تكاليف جانبية لا تتيح له التأمل والانطلاق والتطور.
أما الأسن الأخلاقي فهو كثير، بعضه ظاهر وبعضه باطن. فأبناء الحركات السرية ينتشر فيهم عدد من الأخلاقيات منها:
ـ الغموض والمداورة وعدم الوضوح بمناسبة وبغير مناسبة، حتى أصبح سجية من أسوأ السجايا في أبناء الحركات السرية، والذي يراهم ويتعامل معهم كأنما يتعامل مع رجل عصابات أو صاحب جريمة أو مشبوه.
ـ ومنها النفسية الانتهازية حيث يستغل الفرد منهم كل كبيرة وصغيرة لصالح أهدافه ولا يجد طعم البراءة وحلاوة التلقائية مع الناس.
ـ ومن أخلاقهم طبيعة الارتياب، فالناس إما مخبر يخبر عنهم ويتبعهم، أو ساذج يخشون أن يفضحهم، أو منافس يتربص بهم. ويصبح سوء الظن أصل نظرتهم إلى الناس، والكل عندهم متهم.
ـ ومن أخلاقهم الكذب والتوسع في رخصة المعاريض بل والكذب الصراح، ولعمر الله لهو دليل على النفاق لا على الدين والقيم الإيمانية الحرة، وعندما يظهرون بمظاهر المشيخة والعلم والدعوة إلى الإسلام وهم يضمرون مثل هذه الأخلاق لهو النفاق بعينه وإلا لا نفاق، لأن الكذب لا يباح إلا في حالات محدودة وهم يكذبون في غير هذا.
ـ ومن أخلاقهم الاستعلاء على الناس، والنظر إليهم نظرة دونية حيث من ينتمون إلى التنظيمات يرون أنفسهم أكثر إيماناً وتضحية وفهماً، والصفات التي اكتسبوها من خلال التنظيم لا يعرفها ولا يحوزها سواهم، وهم لا يعترفون بشيء من هذه الأخلاق، ولكنها في حقيقة الأمر أصيلة فيهم.
2ـ إحدى أخطر مظاهر الخلل عند هؤلاء العاملين في الخفاء أنهم يجعلون للاستبداد واستتباع الخلق شرعية من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون، فهم يعلمون أن الشورى طريق الحق وشاطئ الأمان وبرغم هذا يقتلونها حين يسلمون عقولهم ومصيرهم وأفكارهم لمجموعة قد تكون أقل منهم ديناً وعقلاً ونزاهة، ليس إلا لأنهم أكثر منهم حركة وجلداً على التجميع والتنظيم.
ولا يعلمون أنهم بهذا يضعون الناس أمام مستقبل مجهول مليء بالاحتمالات، أشدها حضوراً أن يتسلط التنظيم الذي يعملون فيه على الناس ثم يكون ظالما للعباد قامعا مستبدا، ومن لم يتربّ على الوضوح والشورى وسماع الآخرين والتعددية حال التخفي فهو في حكمه وسلطته أكثر فقداناً لهذه التربية والمبادئ.
إن أكثر ما يزعج الحركات السرية أن تتسلل فكرة الشورى والانتخابات إلى أفكار أتباعهم، حينها يشددون قبضتهم ويحملون حملتهم ضدها، وها أنت تلحظ أن الحركات السرية عندما تبدأ الظهور للعلن تصنع لها قداسات تلتف حولها كي تضعف المطالبة بالشورى والتعددية، وتبقي العقول والقلوب هائمة في شخصيات معينة، تغيب في حبها وتغني بأسمائها وتحارب انتقادها ولو بحق، وتصوب أصابع الاتهام إلى من يخالفها أو يوجه إليها تخطئة أو عدم رضا، وتجعل من توجيهاتها وكتاباتها وأقوالها ومآثرها نبوة يكفر مخالفها ويحل منه كل شيء.
3ـ ومن المظاهر المخيفة، التغاضي عن الفساد الداخلي خوفاً من انكشاف التنظيم، فإذا ما وجدت بعض الأفعال المخلة والفساد الظاهر داخل التنظيم كالمؤامرات والجيوب والتكتلات الداخلية أو السرقات المالية أو الخلافات الشديدة أو الأخلاقيات السيئة، فإن علاجها واستئصالها أصعب ما يكون، وذلك بسبب الخوف من انفصال بعض الأعضاء وفضح التنظيم.
قد يخفف القادة من الفساد والخلافات ولكنهم لا يستطيعون استئصاله ولا اجتثاث العناصر الفاسدة، مما يستشري بسببه الفساد وتنتشر العدوى.
4ـ ومنها كذلك الاستحواذ على المكاسب وحرمان الشعوب منها، وأنا أقولها هنا بصراحة: هناك دعاوى يدعيها الظلاميون هؤلاء، وأبرزها تنظيماتهم تقوم من أجل الشعوب وتتفانى في خدمة الناس وإنقاذهم، وبعد أن تصل إلى مواقع القرار والسلطة نجدها تستحوذ على المكاسب لأعضائها وأبناء أعضائها وأحفادهم، فالأموال الطائلة بين أيديهم والمراكز العليا لهم ولأتباعهم ولهم الأولوية في كل شيء في المعاملات الحكومية والجامعات والقضايا وغير ذلك مما يطول.
5ـ ومنها التوقف عن مرحلة العلن:
قد ينجح التنظيم كما قلنا في الوصول إلى أهدافه ويصل إلى الحكم والسلطان، ولكنه حين يبدأ في الخروج من جحوره ويظهر إلى الإعلان هل يستمر؟
أثبتت التجارب أن من يصل إلى السلطة عن طريق العمل السري يأتي عاجزاً منبهراً فاقدا لكل أدوات القيادة في الضوء والعلن لهذا الكم من الناس والمؤسسات وأشكال الحياة، إن الذي يعيش في الظلام أياماً ثم يخرج إلى الضوء فجأة... يصيبه العمى.
فإذا سألت عن سبب استمرار بعض هذه التنظيمات في الحكم، فعليك أن تعلم أن الاستمرار ما هو إلا حفاظا على مكاسب السلطة وممانعتها واستماتتها على البقاء في موقع القرار بكل أنواع القوة والظلم والقسوة، لكنك عندما تستطلع أحوال تلك التنظيمات في السلطة تجد التراجع في كل مجالات الحياة، ما يجعلك تؤمن أن موت الحركات السرية هو يوم ظهورها للعلن، وأن بقاءها على رؤوس الناس ضياع وموت جماعي.