الجزائر تنتخب والكوابيس قائمة
الأحد، ٢٠ أبريل ٢٠١٤
انتهت الانتخابات الرئاسية الجزائرية دون انزلاق إلى الفوضى التي من شأنها زعزعة الوئام الاجتماعي، في بلد المليون ونصف المليون شهيد، وجاءت النسبة العامة للمشاركة، أعلى من معدلها المعتاد في أغلب المناسبات الانتخابية (نحو 52 %) وآل الأمر إلى الرئيس بوتفليقة ولولاية رابعة!
كان طبيعياً أن ينعكس ترشيح بوتفليقة لولاية رابعة على النحو الذي انعكس رفضاً لهذه الخطوة من قوى تمثل مجتمعاً مدنياً ينمو باطراد، ويستمد زخمه من واقع التنوع الإثني والثقافي. واللافت أن الجزائر خرجت حتى الآن بأقل الكوابيس، بعد انفجار الأوضاع في عدد من البلدان العربية، على الرغم من وجود بعض العوامل والتراكمات الشبيهة بتلك التي فجرت الأوضاع في بلدان أخرى. لكن الجزائريين باتوا اليوم معنيين بالمفاضلة بين الاستقرار الهش، مع بطء الإصلاحات السياسية والإدارية والاقتصادية، وخيار ثانٍ، يرى فيه قطاع كبير من الشعب الجزائري مقامرة تفتح الثغرات للتوجهات المناطقية والسياسية التي من شأنها إدخال الجزائر في حال من الصخب أو القلق المجتمعي والتدخل الخارجي. ولو نحيّنا جانباً كل مآخذ الجزائريين على فترة حكم بوتفليقة التي امتدت لخمس عشرة سنة؛ نلاحظ أن بوتفليقه والمرشح التالي بعده، علي بن فليس، يمثلان في تنافسهما تكرراً لتنوع الاجتهادات واختلاف المواقف في رحم النظام وحزبه الحاكم، وعلى صعيد شريحة النخبة.
وهذه ظاهرة لازمت الحكم في الجزائر منذ الاستقلال، لكنها منذ وقف المسار الانتخابي في العام 1992 اصطبغت بالحدّة التي توافقت الأطراف على كتمانها مع الحفاظ على ثنائية الصراع والوحدة حيال الخطر الماثل على منظومة الحكم. وكان الإسلامويون المتطرفون سبباً رئيساً في احتدام الخلافات داخل الأوساط الحاكمة، بين مؤيد للحوار ومتحمس للاستئصال. لكن تصاعد أعمال الإرهاب الإجرامي الأعمي، مع وصول وزير الدفاع اليمين زروال إلى الحكم في الانتخابات التعددية الرئاسية الأولى في نوفمبر من العام 1995 جعل أسلوب العصا والجزرة معتمداً لدى نظام الحكم، وهذا ما استكمله بوتفليقة عندما انتخب في أبريل 1999 وطرح في يوليو من العام نفسه قانون «الوئام المدني» الذي أُقر في استفتاء لاحق وجرى بموجبه العفو عن كل من يلقي السلاح من الإسلامويين خلال ثلاثة أشهر. لكن الشوط الذي قطعته الجزائر منذ انتخابها للرئيس المدني عبدالعزيز بوتفليقة؛ شهد صعوداً متدرجاً لشعبيته، ومن خلال نظرة سريعة على الوزن الانتخابي لمرجعيات الحركات الاحتجاجية، ومعظمها أمازيغي (بربري) متشدد، نلاحظ أن حزبها الأكثر تطرفاً ضد المنحى الجزائري الرسمي في الثقافة والسياسة؛ وهو «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» بقيادة سعيد سعدي؛ لم يحظ بأكثر من 2 % منذ أن دخلت الجزائر مرحلة الانتخابات التعددية. لكن المشهد الاحتجاجي في انتخابات 2014 اتسم بمزيد من التنوع واتخذ شكل الحراك الشعبي. ففضلاً عن حركة «المواطنة» الجزائرية الأمازيغية التي يسمونها «العروش» هناك حركة «ماك» المنبثقة عن «الربيع الأمازيغي الأسود» (نسبة إلى أيام مقتل 127 شابا من البربر في تيزي وزو، في أحداث عنف طلباً لحقوق ثقافية في ربيع العام 2001) وهي التي يتزعمها المطرب الشعبي القبائلي، والناشط السياسي فرحات مهني، وتلقى تأييد أحزاب اليمين واليسار البربرية. وهناك حركة «بركات» بمعنى ومقاصد شبيهة بـ»كفاية» في مصر، وحركة «رشاد» وكلتاهما حركتان عفويتان، تناهضان ما تعتبرانه فساداً واستبداداً!
ربما كان عامل الضعف الصحي للرئيس بوتفليقة، سبباً في اعتقاد قطاع من الجمهور الجزائري، أن الرجل لن يحكم فعلياً، وأن الأمور ستؤول إلى مقربين يحكمون باسمه ويراهم هذا القطاع الشعبي مسؤولين عن تعطل الإصلاحات الاقتصادية والإدارية وعن الفساد. غير أننا نتبين الكوابيس القائمة من خلال تنامي الغضب لدى شرائح اجتماعية جزائرية، تتنامى باطراد، في مناخ إقليمي تفتحت فيه بصائر الشعوب على المزيد من المطالب الاجتماعية والاقتصادية، وارتقت فيه ثقافة الدولة.
من هنا ينشأ الخوف على الجزائر العزيزة على قلب كل عربي، ومن هنا أيضاً نتمنى أن تمضي الجزائر مستقرة، لكي تحافظ على دورها المرموق، وتخطو في اتجاه الإصلاحات على كل صعيد. فقد بات الاستقرار هو المرتجى الأول للشعوب وهذه تحية منها يتوجب على من يحكمون ردها بأحسن منها، والأحسن هو العمل الحثيث على عصرنة مؤسسات الدولة لكي يتمكن الحكم من النهوض بالإصلاحات المرجوّة التي لا بد منها.