الاستبداد ضعف وعرض يرثى له للقوة

الاستبداد كان دائما يمثل «استعراضا للسلطة» و«تعبيرا عن الضعف» في آن معاً.
بروز الاستبداد، أو السلطوية، كان دائما يأتي نتيجة فشل الحكم السلس والمسالم؛ بعبارة أخرى، كان ذلك دائما نتيجة لفشل الوصول إلى إجماع وتوافق بين المصالح ووجهات النظر المختلفة، وعدم القدرة على إدارة السياسة دون استخدام القوة والاضطهاد.
ليس صحيحا أن هناك أيضا مظهرا من تجميع السلطة.
في بعض الأحيان، تتمكن أقلية في المجتمع من الاستيلاء على السلطة بأساليب عسكرية؛ وفي حالات أخرى، يؤدي الدعم الشعبي إلى تمهيد الطريق لتجميع السلطة.
السلطات الاستبدادية الجديدة خلال العقود القليلة الماضية هي أمثلة على تجميع السلطة عن طريق الدعم الشعبي، وتركيا مثال نموذجي على ذلك.
حزب العدالة والتنمية في تركيا حصل على قوته من الدعم الشعبي في ثلاثة انتخابات متتالية، لكنه فشل في استخدام هذه القوة لتقوية السياسة الديمقراطية.
أنا لا أعتقد أن الأمر كان خيارا مقصودا وقضية أيديولوجية، لكن الإخفاقات والضعف هي التي قادت الحزب الحاكم إلى الشمولية والسلطوية.
أولا، فشل الحزب الحاكم في فهم تعقيد وتعددية المجتمع التركي وقلل من أهمية التحديات.
السلطة السياسية وعدم القدرة على الاعتراف بالتحديات فرضت فكرة حكم الأغلبية.
حكم الأغلبية قد يبدو الخيار الأسهل للحكم بالنسبة للأحزاب السياسية التي لا تقلق من خسارة الدعم الاجتماعي، لكن ذلك في الحقيقة له عيوبه، خاصة في مجتمعات تعاني من توترات عميقة مثل تركيا.
لذلك فإن أسلوب الحكم الديمقراطي هو الخيار الأفضل للمجتمعات المعقدة المعاصرة، لأن السياسة الديمقراطية هي وحدها التي تستطيع أن تتجنب التوترات الاجتماعية الكبيرة والاستقطاب الحاد من خلال الاعتراف بالاختلافات.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الحكم الديمقراطي يضمن الاستدامة من خلال المحاسبة وتقاسم السلطة.
كلما زاد ميل الحكومات الشعبية للحكم بدعم الأغلبية، زادت الحاجة لاضطهاد الآخرين الذين لا يشكلون جزءا من الأغلبية.
النتيجة هي زيادة المعارضة الشعبية والتوتر؛ وتصبح زيادة التوتر في النهاية عذراً لمزيد من الاضطهاد والإبعاد، وهكذا.
وأخيرا، يصبح من الضعف للحكومات الشعبية القوية أن تخسر كل شرعيتها في عيون الآخرين الذين ليسوا جزءا من مؤيديها، ويتحول التوتر إلى نوع من الاستياء وحتى العداء.
وكلما زاد فهم الحكومة للمعارضة والعداء على أنه خطر، تميل إلى استخدام مزيد من القوة والاضطهاد.
لذلك يجب النظر إلى السلطوية من زاوية الضعف والفشل.
إن فشل الحكومة التركية الحالية في مجالات متعددة، على رأسها السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية، يجعل الرئيس رجب طيب إردوغان يرغب في استعراض مزيد من القوة من خلال ترتيب اجتماعه مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس وخلفه مجموعة من الجنود الذين يفترض أنهم يرتدون الأزياء التاريخية لجيوش تركيا في مراحل ومناطق مختلفة.
استعراض السلطة ليس تعبيرا عن القوة لكنه ضعف مؤكد، كما هو حال القضية المثيرة للشفقة لآخر عرض احتفالي مسرحي قدمه الرئيس التركي إردوغان عند استقباله للرئيس الفلسطيني.
* عالمة سياسية وكاتبة صحفية تركية (حريت ديلي نيورز)