ماركيز.. مخيال العالم الثالث

فجأة يصبح مخيال العالم الثالث مهما، ويشغل الساحة السردية العالمية، وهو الذي كان يعتبر مخيالا لا عقلانيا. عندما سئل عن بعض شخصياته في مائة عام من العزلة، لماذا تطير بشكل غرائبي؟ قال بلا تردد. لا غرائبية في نصوصي.
فالناس في المخيال العام لثقافة وطني، وثقافة الهنود الحمر التي تشكل البنية الفكرية الأساسية لروائيي أمريكا الجنوبية، يطيرون حقيقة وبلا إشكال. على الأقل بالنسبة لإيمان الناس العميق. الكثير من القصص الشعبية التي تروى في ثقافتنا توجد فيها هذه النماذج التي ليست غرائبية ولكنها ابنة الثقافة التي صنعت وتصنع المخيال العام. وهذا ما ذكرني يومها وأنا أستمع لتحليله بانتباه، بالثقافة الشرقية التي جسدتها بقوة ألف ليلة وليلة ولكن ألف ليلة وليلة ظلت في سياق الحكاية الشعبية مما لا يؤهلها للنسق الروائي الذي بني على عقلية ديكارتية.
لكن ماركيز نسف هذه العقلانية بتخييل يحتمل فيه كل شيء مادام الإنسان الذي يصنعه جزء منه عقلاني، وجزء آخر يضرب في عمق الثقافة الشعبية حيث لا يفسر العقل كل شيء. ربما كان هذا جهد التمايز عند ماركيز، الذي عرف ثقافته ولكنه انتسب أيضا إلى ثقافة العالم الثالث.
فقد اقترب من الثورة الكوبية، والمكسيكية والفيتنامية وأيضا الجزائرية، إذ هاجر إلى فرنسا بعد أن أغلق الديكتاتور روخاص بنيلا الجريدة التي كان يعمل فيها: El Espectador. التقى وقتها بالكثير من مناضلي جبهة التحرير الوطني ويروي في كتابه السيري، رائحة الغوافة كيف أنه ذات مرة وهو في باريس، في عز الثورة الجزائرية، اعتدت عليه الشرطة الفرنسية بعنف، وهو ينتظر عند مخرج الميترو. ظنوه مناضلا جزائريا بشاربيه ووجهه. فقد حملت رواياته أنفاس المظلومين، في انتقادها الصارم للديكتاتور الذي يدمر شعبه وكيان الدولة والحياة، قبل أي شيء آخر.