عالم مكتظ بالكلمات

لم تفقد الكلمة قيمتها حتى في عصر هيمنة الميديا، فما زالت برامج التواصل تعيش بالكلمات، كُل حدث مُثير يتبعه سيل تعقيبات في وسوم تويتر، وكل لحظة شخصية أو عامة تُوثق على جدران مواقع التواصل صوتا أو صورة لا تكتسب أهميتها إلا من كم التعليقات/ الكلمات.

(الكلمة) حيلة الإنسان منذ البدء، يقاوم بها محدودية بقائه في هذا العالم، يحفظ بها تاريخه نقشا وكتابة ومشافهة، وعادة لا يخرج بسواها من أفراحه وصراعاته ومآسيه؛ تاريخا مدونا وملاحم شعرية وأغاني شعبية وحكايات...
الكلمة كانت وما زالت من أسلحة الهيمنة، فإن كان السلاح الناري يقطف الرؤوس فإن الكلمات تستلبها وتوجهها. و(الكلمة) حيلة الأحرار للتعبئة المضادة، فكل ثورة وكل حركة مقاومة لها أدبها.
لكن السؤال الذي يُلّح في ذهن القارئ والكاتب، والصرخة التي يُطلقها الشاعر تدور عادة حول الجدوى، جدوى اكتظاظ العالم بكلمات لا توقف الطغاة، ولا تُطعم الجوعى، ولا توقف هدر الدماء...
وكم من شاعر عربي كتب قصيدة يُدين فيها (الكلام) بضاعة العربي الكاسدة، ويلوم القصائد ويرتكبها، محمود درويش مثلا يقول:
«آن للشاعر أن يخرج مني للأبد.
ليس قلبي من ورق
آن لي أن أفترق
عن مراياي وعن شعب الورق»
وعبدالمحسن حليت حين وقّف مُصححا لمفخرة عمرو بن كلثوم، التي وجدها مُجرد كلام لا يُجدي أمام وقع المدافع وقوة الرصاص، قال:
«أبيت اللعن، فخرك عاد قشرا
وأصبح سلعة ركدت سنينَا
فهذا العصر لا يسبيه شعر
ترنحه شفاه المنشدينَا»
لكنه رغم هذا لم يجد شيئا يلوم به القصيدة، إلا قصيدة.
فليس بوسع عشاق الكلمة أن يجعلوا من كلماتهم تبرعات عينية للاجئين، أو يحيلوها إلى مخابئ عن القصف، لكن يكفيهم أن يكون لقصائدهم وحكاياتهم وكتاباتهم وضجيج كلماتهم (معنى) في عالم يفتقد المعنى.