المقال السياسي ناقص

ليكتمل المقال السياسي، فإنه يجب أن يحتوي على عدة عناصر هامة تتجلى في محتواه، وتتحكم في سلسلة ما يحدث له منذ بداية قدح فكر الكاتب، مرورًا بوصول المقال للمتلقي، وحتى اكتمال تأثيره في المجتمع والوطن سلبًا أو إيجابًا.
ومن ذلك وضوح زوايا الحدث، ووجود المراجع الموثوقة، ودرجة اطلاع الكاتب، ودوافعه للكتابة، واختياره للعنوان والمحتوى، والجهة المستهدفة بالمقال، ووجود الفكر النير، والحرفة في الصياغة، واستمالة القارئ، والإبداع في نقل الحدث، وتحليله من جميع الزوايا بعين واعية.
وأيضًا فإن من أكثر ما يكون مؤثرًا وحساسًا وأصيلًا هو كنه الكاتب ذاته، ونزاهته، تكوينه، وتربيته، وانتماؤه، ومعتقداته الفكرية والسياسية والدينية.
وعلى ما سبق فهل يمكننا القول بوجود مقال سياسي كامل؟.
حقيقة أن هذا سؤال من الصعوبة بمكان، ويدخل في جزئيات تركيب الموجود الحقيقي في الحدث والمقال والمحيط، ويعتمد أيضًا على نوايا الكاتب وأهدافه.
ومن ناحيتي فلا أعتقد حقيقة بوجود المقال السياسي الشفاف العادل الحر الكامل، وأظن تأثير روح الكاتب ومشاربه باعتدالها أو جنوحها تظل جلية في الرؤية، والتي يندر أن تتطابق عند كاتبين يحللان لنفس الحدث السياسي.
كل كاتب سيتناول الحدث من وجهة نظر شخصية تنبع من الذات، والتي لا يتمكن مهما حرص على إخفائها، وحتى وإن تمكن من ذلك جهده، إلا أن القارئ الفطن لن يلبث أن يصل إلى درجة من التمييز والفطنة، وتوقع لما يرمي إليه الكاتب، وما يتمنى تحقيقه، حتى من قبل أن يتم قراءة المقال.
كلنا ككتاب لنا وجهات نظر تحكمنا أثناء محاولات الجمع والفهم والكتابة والتناول المتذاكي لإظهار ما نريد، بنوع من الإثارة، ولإخفاء أو تحييد أو تحقير ما لا نريد أن نخوض فيه طائعين أو مجبرين!.
والبعض منا تزداد عندهم قدرة الإقناع لدرجة أن الأغلبية من البشر قد يؤمنون بما يقولون، ولكن ورغم كل القدرة والإبداع ستظل هنالك شريحة من القراء يقفون رافضين، ولا يقتنعون، ليس لأنهم يعارضون الفكرة نفسها، ولكن لأنهم يعرفون طريقة الكاتب، ونشأته، طموحاته، أحبابه، أفكاره، ولاءه، شرفه وكرامته، أو عدمها عند من يصبحون يكتبون بلسان من تصب مصالحهم معه في نفس الساقية.
وعليه فيصبح للكاتب مجموعة من القراء يجدون بأنه بكل مكوناته وعيوبه يطابق أنفسهم، ويتصرف وينطق كما يتخيلون أو يتمنون بأرواحهم؛ فينصبونه ناطقًا عنهم يمثلهم، ولا يعودون يسمعون لغيره، أو أنهم يصنعون منه مرجعًا لهم ولمعتقداتهم السياسية، ونقطة قياس لغيره من الكتاب.
عليه فأنا أزعم بعدم وجود المقال السياسي المعتدل الكامل، فالمقالات تعبر عن حالات أصحابها، حتى وإن حاولوا التدليس على القارئ والظهور بحرية رأي مبالغ فيها.
ونصيحة للقارئ العزيز، فعندما تقرأ لنا نحن من نكتب في السياسة، عليك أن تفتح عينيك وعقلك جيدًا، وأن تلتقط من مقالتنا المفيد فقط، وأن تستفتي قلبك!.