إمساك بمعروف

أنت طالق، طالق، طالق. قالها ومضى، ولم يدر رأسه إلى الخلف ليرى آثار الدمار الذي أحدثته قنابله الثلاث على وجه المسكينة هدى التي طالما احتملت حماقاته المتكررة، أما الطفلان نزار ومحمد فلم يستوعبا بعد ما تعنيه هذه الكلمة، على الرغم من أن الدهشة كست وجهيهما من قوة الصراخ.

في نهاية كل يوم تتصدع جدران أكثر من ثمانين منزلاً في السعودية بصدى هذه الكلمة الثقيلة (أنت طالق) وهو ما يعد معدلاً أعلى من الدول المجاورة كمصر وسوريا واليمن، مما يستدعي الجهات المختصة دراسة الأسباب التي تجعل الطلاق منتشراً في مجتمع محافظ دينياً واجتماعياً.

يحكى عن أحد المغفلين قوله إن السبب الرئيس للطلاق هو الزواج، وفعلاً إذا كان الغرض الرئيس من الزواج ليس بناء أسرة متحابة، وإنما فائدة معينة كراتب الزوجة أو لاستيفاء شروط الابتعاث، أو زواج الشاب الطائش لإعطائه الإحساس بالمسؤولية من مبدأ (زوجوه يعقل) ، فالزواج في هذه الحالات زواج مضطرب محكوم عليه بالفشل مسبقاً، وما يزيد الأمر سوءاً تدخل الأهل في تفاصيل الحياة الزوجية مما يسلب الزواج خصوصيته وحميميته.

البيت المثالي الخالي من الخلافات والمشكلات يقع هناك على شاطئ الأحلام، أما على أرض الواقع فلا بد من وجود بعض الاختلافات بين الزوجين في الشخصية والذوق والآراء وتربية الأبناء، والنقاش حول الاختلافات في الأسرة لا بد أن يتم بود واحترام لا تسلط من الرجل ولا ابتزاز عاطفي من أحدهما، لأن الهدف هو التكامل وتربية الأطفال في بيت يعبق حباً.

قد يكون الطلاق حلاً عندما تصبح الحياة مستحيلة بين الزوجين، ولا تفلح محاولات الأقارب للإصلاح بينهما، لكنه لا يجب أن يكون بداية درب طويل من المآسي يدفع ثمنها الزوجان والأبناء، وفي هذه الحالة يكون التفاهم على الالتزامات المالية وتربية الأبناء بعد الطلاق لضمان المصلحة للجميع «فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان» (البقرة، 229) هدى تلك الشابة التي لا تزال في الثانية والعشرين من عمرها لا تزال بعد عامين تعيش تلك اللحظة وتتمنى أن تتوقف عجلة الزمن عندها، فهي من حينها لم تستطع رؤية نزار ومحمد!