موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة

تختلف الأعمال العلمية الموسوعية عن غيرها من المشاريع العلمية، باعتمادها التقصي والتفصيل في موضوعها، واستيعاب مفرداته ومباحثه ومشكلاته كافة، وفق خط منهجي دقيق وتأصيل علمي في بحث الموضوع، وفي المعالجة والصياغة والتقديم، وغالباً ما تحفل مثل هذه الأعمال بالموضوعات الكبرى والمفاصل الرئيسة في قضايا المعرفة. وأعمال كهذه تتصدى لها مؤسسات علمية متخصصة، وليس بمقدور الأفراد من الباحثين الإقدام على مثل هذه الموضوعات والأطروحات الموسوعية - إلا نادراً - لما تقتضيه من جهد فكري وذهني ومادي.
كما أنه من النادر أيضاً أن يغري الاستثمار في هذه المشاريع الموسرين، نظراً لكلفتها، وقلة مردودها المادي، الذي هو منتهى غاية غالبية الموسرين في عالمنا العربي. ومن أولئك النادرين الشيخ أحمد زكي يماني، الوجيه المكي الأصيل، من خلال مؤسسته العلمية الرائدة (الفرقان)، التي أنشأها وتكفَّل برعاية مشاريعها العلمية، واختار لها نفراً من الأساتذة الأكاديميين والباحثين المخلصين، فأكبت المؤسسة على العناية بالموروث المعرفي وبالفكر المعاصر في المدينتين المقدستين، تحقق مخطوطاته، وتطبع وتنشر الأعمال العلمية حوله، وتنقب في مطوياته فتعرض وتقدِّم المهم منها. وتشجع الباحثين من مختلف أقطار العالم على البحث والتأليف في هذا الاتجاه، وليس لها من شرط سوى الكفاءة العلمية والاستعداد الذاتي. وأبعد ما تكون المؤسسة وصاحبها وكادرها العلمي وإصداراتها الرصينة عن مشاهد الإعلام والإعلان الصحفي، والمفاخرة المعلنة بما تقدمه. فبصمت وسكينة، وإرادة واعية، وإدارة صبورة دؤوبة - اعتادتها المؤسسة نهجاً لها منذ إنشائها - تواصل مراكمة منسوب مكتبة المدينتين المقدستين، من خلال إصدارات نوعية، وبصورة منتظمة. حتى كان مشروعها الأهم والأكبر والأعظم (موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة) في أجزائها المتعددة، التي تعد جهداً علمياً عظيماً، صدر منه إلى الآن عدة أجزاء، ويواصل الفريق العلمي للموسوعة إنجاز باقي أجزائها.
والموسوعة تتخذ الترتيب الألف بائي، مساراً منظِّماً لموضوعاتها، بكل ما تحفل به المدينتان المقدستان من ثراء في شؤونهما كافة، من التاريخ إلى الآثار والمعالم والجغرافيا والحديث والسيرة النبوية، والمواقع والرجال، والفكر أدباً وشعراً، وحديثاً ولغة وسيراً... إلخ.
ولا غرو أن تقصي موضوعات متنوعة ومتشعبة كتلك، في حاضرتين مقدستين هما الأعمق مكانة في وجدان المسلمين كافة؛ خاصتهم من المهتمين بتلك الجوانب، وعامتهم كذلك، في عمل موسوعي، يتطلب جهداً مضنياً وإمكانات كبيرة، لتظهر الأجزاء الأولى من الموسوعة دقيقة في معلوماتها، منهجية في أبوابها ومفردات مضامينها، بالغة الجودة في خاماتها الطباعية والصور المصاحبة فيها، وفي أدق وأرفع شكل إخراجي، ووفقاً لتقنيات طباعية قلَّ أن تجد لها مثيلاً، وارتقاءً إلى شرف الموضوع وجلال المضامين، المحققة لمقتضيات الموسوعية وشروطها العلمية.
ويقف وراء هذا الجهد العلمي الخلاق، فريق علمي تجاوز تعداده أربعين باحثاً ومحققاً ومستشاراً، ويرأسه الأستاذ الدكتور عباس بن صالح طاشكندي، أستاذ علم المكتبات المعروف. ويتوزع هذا الفريق المهام والأدوار والاختصاصات، بما يحقق بلورة تلك الجهود وإخراجها في أبهى حلة، وأنصع معرض، وأعمق جوهر. ويقف ظهيراً وراعياً لذلك كله الشيخ أحمد زكي يماني، صاحب ومؤسس مؤسسة الفرقان، الذي كان سخياً في رعاية المشروع، وموجهاً أميناً لدفته، وواعياً ومؤدياً للدور المتوجب عليه تجاه محضن ولادته ونشأته المقدس مكة المكرمة، وتوأمها الوجودي والحضاري المدينة المنورة، اللتين لم يسبق هذا العمل، عمل مواز، أو مقارب أو مشابه، يوليهما هذه العناية، ويختار هذا المسار الموسوعي في التأليف فيهما أو عنهما، ولا مؤسسات علمية مستقلة أو حكومية تنهج هذا النهج. ومن ثم فإن الموسوعة تغطي جوانب مفصلية كبرى من تاريخ المدينتين المقدستين عبر العصور، وحاضرهما، وسيرة الفكر والمعرفة والإنسان فيهما. وهذا العمل حقيق وجدير بأن يسد فراغاً ما في المكتبة العربية عن شؤون المدينتين المقدستين، ويقدم للباحثين زاداً معرفياً غذِّي بمعلومات وأخبار ووثائق ووقائع وصور ومخططات، اجتمعت فوعت وأغنت كل مستزيد وباحث أو قارئ مهتم بهذا الموضوع.