السودان يبدأ بتقليم أظافر الموساد

انشغلت الأوساط السودانية خلال الأيام الماضية بتفكيك أول شبكة تجسسية إسرائيلية كانت تعمل داخل الأراضي السودانية، إذ لقي الأمر صدى واسعا بوصفه إنجازا أمنيا وطنيا بعدما عاثت الأصابع الإسرائيلية في البلاد ونفذت عمليات اغتيال طاولت بعض القيادات إضافة إلى الاعتداءات المباشرة كتفجير موكب قيل إنه كان ينقل أسلحة إلى غزة، واستهداف مجمع اليرموك للتصنيع الحربي داخل الخرطوم.
العميد المتقاعد إبراهيم بيوميوبحسب المعلومات التي توفرت وكشف عنها جهاز الاستخبارات السوداني، فإن تلك الشبكة التجسسية مؤلفة من أفراد سودانيين أغلبهم عناصر دارفورية، وهم من اللاجئين الذين كانوا هاجروا إلى إسرائيل عبر رحلات الموت “الاتجار بالبشر”، وتبين أن عناصر الشبكة متورطون في عمليتي “السوناتا” و”البرادو” وهما حادثتا اغتيال الأولى استهدفت سيارة “برادو” كان يستقلها قيادي فلسطيني يعرف بـ “الأشقر”، والثانية استهدفت سيارة “سوناتا” قتل فيها رجل أعمال من مدينة بورتسودان الساحلية، فضلا عن الغارات الإسرائيلية المختلفة التي حدثت بالمنطقة الشرقية في ذات الأثناء.
وتمكنت الأجهزة الأمنية من توقيف أحد أهم عناصر هذه الشبكة في البحر الأحمر وهو المتورط الرئيس في تلك العمليات. وبعدما كثّفت الأجهزة الأمنية من عمليات بحثها وتحرياتها معه، تمكّنت من القبض على عدد كبير من عناصر هذه الشبكة التي لم يحدد عدد أفرادها.
وأكد مصدر مطّلع أن الأجهزة الأمنية السودانية، تتابع وتراقب بدقة النشاطات التجسسية لإسرائيل منذ فترة طويلة، خصوصا العناصر السودانية التي تسللت عبر مصر إلى إسرائيل منذ 2002 و2003 وتم تدريبهم وإعادتهم للسودان عن طريق جنوب السودان وبعض دول الجوار، مؤكدة أن الأجهزة ترصد بدقة الشبكات التي تقوم بإرسال السودانيين طيلة السنوات السابقة لإسرائيل عبر سيناء.
وقال جهاز المخابرات والأمن الوطني، إنه يراقب أفراد الشبكة منذ فترة طويلة حتى تم الإيقاع بهم في عملية دهم جرئية أثبتت قدرته على المتابعة والمراقبة الدقيقة لحماية الأراضي السودانية من المخاطر الخارجية التي تستهدفها.
وبحسب المعلومات الأمنية، فإن إسرائيل درجت على تجنيد لاجئين دارفوريين وجنوبيين غير شرعيين يتم اصطيادهم بعد عبورهم الحدود إلى إسرائيل ثم يودعون في السجون كمهاجرين غير شرعيين، وبعد فترة يفرج عنهم ويوظفون عمالا في شركات بناء غالبا ما تكون تابعة للجيش الإسرائيلي. ولاحقا بعد المراقبة، يتم انتقاء بعضهم فيخضعون لكشف طبي ولياقة بدنية، ثم تعرض عليه وظائف حراسات أمنية في إحدى الشركات التابعة للجيش الإسرائيلي، وبعد عملية متابعة ومراقبة يُختار بعض العناصر بدقة وتعرض عليه وظائف كمجندين في الجيش الإسرائيلي، ومن ثم يختار بعضهم، بعد تمحيص وتدقيق وتدريب، للعمل الاستخباري ثم يرسلون مجددا إلى السودان كلاجئين غير شرعيين غير مرغوب فيهم.
وكان وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي أعلن في وقت سابق في محاضرة عن أهمية إغراق وإشعال السودان بالصراعات والاقتتال وتقسيمه إلى عدة دويلات حتى لا يكون دولة قوية تدعم قضية العرب المركزية “القضية الفلسطينية”.
وكشف عن فاعلية نشاطهم لتزكية الصراع في دارفور لتزداد حدة القتال المضطرب بالأحداث، وذلك من خلال تجنيد إسرائيل للاجئين السودانيين، خاصة الفارين من جنوب السودان عبر رحلات الاتجار بالبشر، من خلال استقطاب وتجنيد نخبة مختارة منهم، ومن ثم إرجاعهم للسودان للقيام بالمهام الموكلة إليهم من قبل الموساد.


إسرائيل تريد تفكيك السودان

“في الوقت الحاضر يشكل السودان عنصرا أساسيا في الاستراتيجية الإسرائيلية وهي تطويق العالم العربي وتفكيكيه والسيطرة عليه، ومحاربة الشعور القومي العربي، وهذا ما يجعل منه هدفا لإسرائيل.
موارد السودان الاقتصادية لا يمكن التقليل من شأنها بأي حال من الأحوال، أكان لناحية موقعه الجغرافي عبر إفريقيا أم لغناه بالموارد.
يقع السودان بمنطقة فيها علاقات إسرائيلية متباينة. جنوب السودان تربطه علاقات بإسرائيل، وكذلك إثيوبيا وإريتريا. فهذه البلدان الأفريقية المجاورة، تتمتع بعلاقات قوية مع إسرائيل، وبالتالي لا بد من إخضاع السودان ضمن الاستراتيجية الإسرائيليةـ بجانب وجود هدف بعيد يتمثل في المصالح الاقتصادية لإسرائيل الطامعة في موارد السودان الضخمة، وهي تأمل أن تكون قوة إقليمية كبرى في المنطقة، وبالتالي فإن السودان جزء أساسي من طموحات وآمال إسرائيل في مستقبلها”.

أستاذ العلوم السياسية والمحلل السياسي الدكتور عبداللطيف البوني


دول الجوار أصبحت طوقا إسرائيليا

“السودان في الذهنية الإسرائيلية له مكانة كبيرة جدا وبدأ اهتمامهم به منذ أن كان مقترحا لدولة لليهود قبل فلسطين، ولكنهم اتخذوا قرارا بعد وعد بلفور الشهير بأن يكون وطنهم فلسطين وليس السودان.
وفي 1959 بعد مؤتمر باندونج حينما فكرت إسرائيل في احتلال مدينة الرشاش في خليج العقبة، وتحولت لاحقا إلى ايلات في مدخل البحر الأحمر، كان أول أمر فكرت فيه هو القدوم إلى إثيوبيا، حيث منابع النيل لامتلاك ورقة ضغط تضايق بها مصر والسودان عبر التحكم في منابع النيل، لأن السيطرة على مياه النيل تعني السيطرة على أهم مرتكزات الأمن القومي لمصر والسودان، وبالتالي فإن حضورها كان مهما في الدول الأفريقية، وهي الآن إسرائيل تطوق السودان بالدول الأفريقية المجاورة.
إن سياسات واستراتيجيات إسرائيل ضد السودان ليست مخفية وهي تعلن على الملأ أنها تريد تفكيك السودان وتلعب على وتر القبلية والطائفية والعرقية، وهذا أمر يجب أن تتنبه له الحكومة.
وكذلك فإن مواقف السودان تجاه إسرئيل واضحة ومعلنة وأكد مرارا أنه لن يطبع العلاقات معها، كما أن إمكاناته الطبيعة وموارده المتنوعة وثرواته جعلته منطقة صراع حول الموارد، ولو ترك السودان ولم يغرق في دوامة الصراعات لأصبح من الدول المهمة والمؤثرة أفريقيا وعربيا، وهذا ليس في مصلحة إسرائيل وبالتالي تستهدفه.
ولهذا بدأ التجسس الإسرائيلي في السودان منذ 1959 مع بدايات تمرد جنوب السودان الأول “أنانيا 1”، حينما ذهب الجنوبيون إبان حقبة التمرد إلى إسرائيل للتدريب والعيش هناك، والرئيس الجنوبي سلفاكير بعد تسلمه مقاليد الحكم في الجنوب زار تل ابيب لتقديم الشكر على مساعدتهم ودعمهم لإقامة دولة جنوب السودان.
وكان اليهودي اشتايقر الألماني يدرب الجنوبين في أحراش الجنوب، واعتقل إبان حقبة الرئيس السابق جعفر نميري. والوجود الإسرائيلي داخل السودان بصورة أو أخرى، يمضي قدما من خلال العناصر الجنوبية التي تم تدريبها عسكريا وأمنيا وسياسيا في إسرائيل، ومن خلال هذه العناصر تستطيع أن تجند إسرائيل بعضهم للتجسس. وكذلك تدرب عناصر حركة قرنق (الحركة الشعبية الحزب الحاكم في دولة الجنوب) في إسرائيل وتسلحوا منذ أيام زعيمها الراحل جون قرنق.
وبعد اتفاق نيفاشا “اتفاق السلام بين الشمال والجنوب” أصبحت قيادات التمرد في الجنوب جزءا من السلطة الاتحادية في الخرطوم، ويشاركون في السلطة من أعلى المستويات إلى أدناها، وبالتالي فإن وجودهم في المواقع الحساسة يمكنهم من الحصول على بعض المعلومات لأن بعضهم قد تم تجنيدهم من قبل إسرائيل.
أما اليهود الفلاشا، فإن بعدهم الاستراتيجي يتمثل في إعادتهم كعناصر أفريقية تستقدمهم من بلدانهم بغرض التدريب والتجنيد ثم إعادتهم مجددا إلى الدول الأفريقية، والآن هناك جيل كامل من العناصر الرجالية والنسوية من الفلاشا سيعيد الإسرائيليون إرجاعهم مجددا إلى أفريقيا ليكونوا عيونها في المنطقة”.

الخبير الأمني السوداني


استهداف السودان للحد من تأثيره

“لدى المخابرات وسائل كثيرة للتجنيد، لأن الهدف من العملية أن يكون لهم احتياج معين في بلد معين، ويأتون لشخص ما لكي يؤصل لهم المعلومة المطلوبة أو تنفيذ تكليف يحدد من قبلهم.
والعميل المطلوب تجنيده لمد الجهة المجندة بالمعلومات المطلوبة، يتطلب أن يكون بمواصفات معينة في الشخص الذي سيقوم بأداء مهمة الحصول على المعلومات أولها الخضوع لهم من ناحية مادية وعقدية وسياسية لضمان ولائه، ثم من بعد ذلك يقومون بعملية تدريبه بصورة احترافية ثم تطلب منه تقارير محددة خلال هذه الفترة للنظر في مدى مصداقيته وقدرته على إنجاز المطلوب، ويتم التعامل معه وفق هذا الأساس، وفي كل مرة يحتاجون فيها لمعلومة يتم تكليفه، وهذا يختلف من دولة لأخرى.
الآن أصبح أي بلد في العالم معرضا للاختراق من قبل المخابرات الدولية، وإسرائيل الآن لديها شبكة علاقات واسعة في العالم كله، ولديها نفوذ وتأثير واضح جدا، والسودان واحدة من الدول العربية التي لا تبعد جغرافيا كثيرا عن إسرائيل ويؤثر عليها، لذلك يقومون ببعض الأعمال التي تحدث فرقعة سياسية وإعلامية، ولا نستطيع أن نقول إن السودان بعيد عن الاستهداف الإسرائيلي.
ولإسرائيل أهداف عدة في السودان بوصفه واحدة من الدول العربية التي لها قضية مركزية واحدة وهي القضية الفلسطينية، وكذلك يمكن للسودان أن يكون مؤثرا على مياه النيل التي تحاول إسرائيل الاستفادة منها، وهو مطل على البحر الأحمر، وبالتالي فإن أي بلد كبير يمتلك مقومات وقدرات ومستقبلا، وله تأثير على الثروة في العالم أو يمتلك احتياطات نفطية أو معدنية أو مياها، سيكون له تأثير على إسرائيل. والسودان دولة كبيرة من حيث المساحة والموارد، بحيث يكون لديه تأثير أو نفوذ عليها، وهو واحدة من الدول العربية التي لديها سياسة محددة تجاه إسرائيل ومناصرة القضايا العربية”.

المدير السابق للمخابرات السودانية الفريق الفاتح الجيلي المصباح