هناك حاجة ماسة لحوار إعلامي عالمي قوي

قوة الشعارات مخيفة. «أنا شارلي إيبدو» شعار قوي سيبقى موجودا لفترة طويلة على الأرجح. كإدانة للإرهاب والعنف، وكتأييد لحرية التعبير، هذا الشعار فعال. كإشادة لشجاعة رسامي الكاريكاتير والمحررين الذين ماتوا وهم يمارسون تلك الحرية رغم التهديدات على حياتهم، الشعار يبدو مناسبا. لكن الشعارات لا تحل المشاكل. وأنا لن أنضم إلى الذين يهتفون به لأن ذلك قد يُفهم خطأ بأنني أؤيد رسالة المجلة المشينة.
عند ممارسة حرية التعبير، المضمون مهم. وكذلك الإطار الاجتماعي. إذا رسمت نبي الإسلام بطريقة مسيئة في وقت يتعرض فيه المسلمون في أوروبا للتهميش والعداء، فإنك تحرض على صراع اجتماعي. ما زلت أعارض الرقابة والقيود المسبقة. ولكن عندما تمارس أي وسيلة إعلامية حرية التعبير، يجب أن تكون مسؤولة عن أي ضرر تسببه رسالتها تلك لأي شخص أو مجتمع. وإذا كانت هناك شكاوى ضد تلك الرسالة، على الدولة أن تقدم وسائل للإصلاح. ولهذا فإن هناك حاجة لقوانين تشهير حكيمة. وعلى الدولة أن تنظم بحكمة. من أين تحصل على تلك الحكمة؟ ليس من شعار بالتأكيد.
بدافع من شعار بدلا من البراجماتية، دعا وزراء الداخلية الأوروبيون مزودي الانترنت بشطب أي محتوى يحرض على الكراهية والإرهاب. الحكومة الفرنسية اعتقلت عشرات الأشخاص بسبب استخدامهم لغة كراهية على الانترنت، بما في ذلك ممثل كوميدي مشهور بتهمة العداء للسامية. الحكومة البريطانية تريد من شركات الانترنت أن تسمح لعملاء الاستخبارات بالتجسس على المحادثات بين المستخدمين. لسوء الحظ، صانعو السياسة لا يعرفون شيئا عن طريقة عمل الانترنت، ولذلك فإن إجراءاتهم غير الناضجة ستنتهك الحريات المدنية دون حماية المواطنين. للحصول على الحكمة لوضع إجراءات تحمي حرية التعبير وتمنع الإساءة، عليك أن تلجأ للحوار. الحوار يجب أن يشمل صانعي السياسة والإعلاميين والزعماء الدينيين الذين يمثلون المجتمعات التي تتأثر غالبا بشكل كبير بالمحتوى الإعلامي.
كان يوجد في الماضي منتدى مفيد حول المضمون الإعلامي وكيفية تجنب نوعية الاضطراب الذي حدث بسبب أزمة الرسوم الكرتونية المسيئة للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في عام 2006. كان اسم ذلك المنتدى حوار الإعلام العالمي وكانت حكومتا إندونيسيا والنرويج تشرفان على تنظيمه رداً على تلك الأزمة. وكان ذلك المنتدى يعقد بالتناوب بين بالي وأوسلو بين 2006 و2008، واجتمع فيه إحدى المرات 130 إعلاميا بارزا من 67 دولة للخوض في حوار بين الثقافات للتشجيع على حرية التعبير والفهم المتبادل والتنوع.
في أعقاب أحداث باريس، من الضروري تنظيم مثل هذا المنتدى مرة أخرى. ولكن هذه المرة، يجب أن يشارك صانعو السياسة والزعماء الدينيون بالإضافة إلى الإعلاميين في الحوار. كما يجب أن تتواجد شركات توفير خدمات الانترنت. هدف الحوار يجب أن يكون وضع إجراءات عملية لدعم حرية التعبير من جهة، وحماية المواطنين من رسائل الكراهية في وسائل الإعلام من جهة أخرى.
على الحكومات أن تعي أنّ خطاب الكراهية ليس مجرد مشكلة أمنية، لكنه مشكلة عدالة اجتماعية أيضا حول كيفية خدمة الحريات المدنية وحقوق الإنسان للجاليات الدينية.
إنها مشكلة لا يمكن حلها من خلال شعارات فقط.

- كاتب وإعلامي (جاكرتا جلوب)