خطة القيصر بوتين لتعقيد الملفات من إيران إلى القرم

يجمع معظم المحللين في العاصمة الأمريكية، على أن قلق واشنطن المتزايد حيال الاتفاق النفطي بين إيران وروسيا، مشروع ومنطقي جدا، خلافا لما قالته المتحدثة باسم الخارجية الإيرانية مرضية أفخم بأنه “حساسية غير منطقية”!

فهذه هي المرة الثانية في أقل من 3 أشهر، التي تعرب فيها واشنطن عن قلقها من التعاون بين البلدين، وكأن المفاوضات الدولية بشأن النووي الإيراني قد أفرغت حمولتها وأنجزت مهمتها وهذا ما لم يحدث حتى الآن.
في المرة الأولى، سربت وسائل الإعلام تعاقد موسكو على شراء أكبر كمية من النفط الإيراني (المخزون - المتراكم) قبل بعض دول أوروبا، وهو ما أثار استياء ودهشة الولايات المتحدة، لأن العقوبات الاقتصادية على إيران ومنها عدم تصدير النفط، قد أثمرت في النهاية – حسب الرؤية الأمريكية – وأجبرت إيران على الجلوس للتفاوض بشأن برنامجها النووي، إذ لم يتعرض العالم كما كانت إيران تعتقد وتراهن، لأزمة في الطاقة، إذ عوض “ النفط الأمريكي – للمرة الأولى – احتياجات السوق العالمية.
فما الذي يدفع روسيا التي افترض أنها وسيط في صفقة التفاوض النووي، إلى مكافأة إيران من خلف ظهر جميع الدول، خصوصا أمريكا؟ وما الذي قدمته إيران للعالم أكثر من الجلوس على مائدة التفاوض؟ وماذا أنجزت المفاوضات حتى الآن لكي تسارع روسيا إلى هذه الخطوة التي قد تعرقل المفاوضات برمتها؟

الأزمة الخطأ

دعك من الحديث عن الأزمة السورية – ولو موقتا - فأمريكا لا تملك سياسة محددة سلفا في هذه الأزمة، بل تكتيكا مرحليا يقوم على عدم تفضيل أي حل على الحل الآخر، ومن ثم تضع كل الحلول على الطاولة ولا تريد ترجيح أي حل منها، لسبب بسيط هو: سوريا – في حقيقة الأمر - لا تشكل أهمية كبرى للسياسة الخارجية الأمريكية، بل إن استمرار نظام الأسد (والأزمة في سوريا) يضمنان حفظ السلام مع إسرائيل، ولا يورطان أمريكا في أية حروب خارجية.
ولن يدفع أمريكا إلى التدخل المباشر في سوريا، إلا إذا حدث تحول جذري في طبيعة الصراع وأصبح يهدد مصالح أمريكا الحيوية.
وهذا التحول تحديدا في ملعب ثلاثة أطراف خارج سوريا أو قل على حدودها: روسيا وإيران وإسرائيل.
فما هي المستجدات في المنطقة – التي تستلزم الحذر والمتابعة عن كثب – لما سوف تأتي به الأيام المقبلة؟

1 - شكل اجتياح روسيا لشبه جزيرة القرم تحولا جديدا في معظم ملفات الشرق الأوسط، وستظهر تداعيات ذلك تباعا، وهي حبلى بالمفاجآت غير المتوقعة.
فمن ناحية أصبح في حكم المؤكد تأمين بشار الأسد انتخابه لفترة رئاسية ثانية مدة سبع سنوات مقبلة، مما سيثير غضب حلفاء الولايات المتحدة (العرب) ويبدد كل فرص التقارب بينهما مجددا.
أما إيران فهي أكبر المستفيدين من أزمة العلاقات بين روسيا وأمريكا، روسيا وأوروبا، الخليج وأمريكا!

2 - نظرا لتعذر التفاوض بشأن إيران بين واشنطن وموسكو (بعد الأزمة الأوكرانية)، فإن واشنطن مجبرة على التفاوض مع إيران، الحليف العسكري للنظام السوري.
ومن هنا فإن إيران التي تم استبعادها من مؤتمر “جينيف 2” ستشارك في إيجاد مخرج للأزمة ولكن عبر التفاوض الإقليمي، وليس من خلال الأزمة السورية فقط.

3 - إذا لم يكن هناك “جينيف 3”، فإن واشنطن أمام ثلاثة سيناريوهات صعبة – بالنسبة للمنطقة والعالم – وهي: مهاجمة سوريا، وهذا السيناريو أصبح معقدا جدا بعد استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم، ناهيك بأن الغرب أضاع فرصتين للتدخل العسكري في سوريا الأولى 2011 عقب المذابح المأساوية، والثانية 2013 بعد استخدام الكيماوي.
ترك الأوضاع الكارثية تتفاقم في سوريا على مدى عقد مقبل من الزمان.
تحويل الأزمة برمتها إلى محاربة الإرهاب والإرهابيين في سوريا، الذي بات يهدد الجميع بالفعل..وهذا هو السيناريو الأقرب، خصوصا أن استجابة العالم تشكلت وفقا لمصالح جيو سياسية وليست من أجل وقف المعاناة الإنسانية المروعة: 140 ألف قتيل، 3 ملايين لاجئ تم تسجيلهم، 4 ملايين نازح داخليا مع ارتفاع التقديرات إلى 6.
5 ملايين نازح سوري.

4 - إيران هي الوحيدة القادرة على اللعب بتوظيف أزمة العلاقات بين روسيا وأمريكا في ملفين من ملفات الشرق الأوسط على الأقل: الأزمة السورية والنووي الإيراني.
.
فهي تعلم علم اليقين أن روسيا لا تريدها أبدا قوة إقليمية نووية، وهي تعرف في الوقت نفسه أن أمريكا تعمل على أن تبقى إيران وروسيا على مسافة متباعدة، ومن هنا فإنه – من المتوقع – أن تقبل إيران في الفترة المقبلة بنصائح روسيا – موقتا – وهي عرقلة المفاوضات مع الغرب بشأن الملف النووي، مقابل إعادة فتح العلاقات التجارية معها، والتعاون الاستراتيجي في تأمين المناطق الجنوبية الروسية لا سيما الإرهاب في بحر قزوين، عبر تسوية قانونية للاستفادة من موارده، والشراكة في مجال الطاقة والبنية التحتية والمشاريع الصناعية.

5 - إيران ستنتهز الفرصة وتطلب من روسيا التي ستلبي الطلب الآن، تسليمها أنظمة الدفاع المضادة للطائرات والصواريخ.
فقد ألغت روسيا في 22 سبتمبر 2010 صفقة توريد صواريخ “أس – 300” لإيران، تطبيقا لقرار مجلس الأمن رقم 1929 في 9 يونيو 2010، وصرح وقتئذ الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد بأن روسيا اتخذت قرارها تحت ضغوط أمريكية، وقال حرفيا لقناة التليفزيون الرسمي الإيراني: روسيا باعتنا لأعدائنا بتخليها عن العقد من جانب واحد!

6 - تسليم روسيا – بوتين أنظمة الدفاع المضادة للطائرات والصواريخ إلى إيران، كمحاولة لترويع إسرائيل، خطة روسية محسوبة بدقة متناهية لأهداف أبعد تخص مصالح روسيا على المدى البعيد، وليس أمام إسرائيل (إذا تمت هذه الصفقة)، إلا أن تشن هجوما استباقيا على إيران، دون انتظار رأي أمريكا، ومن المحتمل أن يتطور ويجبر الولايات المتحدة على ما لا تريده وتتهرب منه.
وحسب مدير معهد الاستشراق الروسي فيتالي ناعومكين، ومدير معهد بحوث إسرائيل والشرق الأوسط يفجيني ساتانوفسكي، فإن التهديد الحقيقي في المنطقة مصدره الأساسي إيران التي ستنشب الحرب بينها وبين إسرائيل في لحظة غير متوقعة.

7 - في واحد من أهم التقارير الصادرة عن مؤسسة كارينجي للسلام العالمي بعنوان “ إيران..رؤية من موسكو” للباحثين المخضرمين ديمتري ترنين والكسي مالاشينكو، خلص إلى أن “بروز إيران كقوة صاعدة، يزيد – في العمق - من توتر قلق روسيا، التي يفترض كثير من المراقبين من خارج البلدين، أن العلاقات الاقتصادية والعسكرية بينهما وثيقة، بينما هذه العلاقات معقدة للغاية.
فموسكو تشعر بالقلق المتزايد من طموحات إيران النووية في المنطقة، التي تتجاوز بحر قزوين والقوقاز ووسط آسيا...وهي في النهاية لا تريد منافسا إقليميا لها في المنطقة، لأن أهدافها الإمبراطورية أبعد وأكبر مما هو متوقع!وهنا تكون خطة القيصر بوتين بتسليم إيران أنظمة الدفاع المضادة للطائرات والصواريخ قد نجحت بالكامل في جر خصومه – مجانا - إلى أزمة تفوق معظم أزمات المنطقة إن لم تعقدها لأجل طويل، بينما هو يعيد “نظرية بريجينيف” إلى الصدارة من جديد، وعلى مهل، حيث تجتاح روسيا اليوم (حلف وارسو القديم) بدءا من شبه جزيرة القرم، كما اجتاح الاتحاد السوفييتي السابق هنغاريا عام 1956 ثم تشيكوسلوفاكيا عام 1968، والبقية تأتي...هل قلق أمريكا من التعاون الروسي الإيراني هو “حساسية غير منطقية”، كما تقول السيدة راضية أفخم؟