تعظيم بيوت الله.. الهدف والوسيلة
الثلاثاء، ١٥ أبريل ٢٠١٤
بيوت الله لها مكانة عظيمة في ديننا الحنيف، حث الشارع على العناية بها ونظافتها وعدم إيذاء المصلين بالروائح الكريهة أو بالأصوات العالية أو المزاحمة.
قال تعالى: «يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» (سورة الأعراف ). قال صلى الله عليه وسلم: «من أكل من هذه الشجرة المُنتنة فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الأِنس» (رواه مسلم). ولعل معنى الحديث ينصرف إلى كل رائحة كريهة مؤذية.
ولنبدأ من أماكن الوضوء حيث انتشار عدم الوعي وسلوك الطيش واللامبالاة، فعلى الرغم من أن الحمامات جهزت وصممت بشكل يخدم المتوضئين إلا أن روادها – أو بعضهم - يحولونها بسلوكهم إلى مواقع لا تليق ولا تناسب من يتحضر لأعظم شعيرة في ديننا، فأشكال الأوساخ ومستنقعات المياه والأبواب المكسرة والروائح الكريهة لا تهيئ المصلي للطمأنينة التي لا تتم صلاة حقيقية بدونها، وكل ذلك من سلوك المستخدمين لهذه المواضئ، فلو حرص كل مستخدم على نظافتها ولم يرم المخلفات فيها لما احتاجت أصلا إلى صيانة إلا ما كان من مقتضيات الضرورة.
فعندما يخرج المتوضئ من الحمامات إلى المسجد يخرج في كثير من الأحوال وأطرافه مبللة، وفي ذلك من الأضرار الصحية ما لا يخفى، ويترك المتوضئون أحذيتهم ونعالهم عند باب المسجد مباشرة وقد لحق بها ما لحق بها من طين وبلل من داخل الحمام ويدخل بعدهم بعض المصلين حفاة فتطأ أقدامهم تلك المخلفات فتتلوث الأقدام وتفقد طهارتها، فضلا عن الأضرار الصحية المحتملة في هذه الحالة، فيتحول فرش المسجد بفعل هذا السلوك إلى مرتع للأوبئة والروائح الكريهة مع الشك في طهارته.
وإنك لتعجب أشد العجب من إنسان سوي راشد عاقل يترك نعله وأحذيته عند باب المسجد تدوسه الأحذية الملوثة من مستنقعات الحمامات وملوثاتها، وأعجب من ذلك أن يخلع نعليه قبل البوابة بمسافة ويمشي على أرضية لوثتها آثار الحمامات ومخلفاتها.
وممن يؤذون المصلين من يدخن في طريقه إلى المسجد، وهذا مشاهد ومحسوس ويدخل المسجد ورائحة السجائر تفوح من فمه وأنفاسه وثيابه.
ويأتي بعض المصلين إلى المسجد في ملابس النوم أو في ملابس الرياضة، أما روائح العرق والروائح الكريهة، خاصة من بعض العمال في المطاعم، فذاك مشهد مألوف وأهله، مع الأسف الشديد، لا يفكرون في إخوتهم المصلين، ناهيك عن الجوارب «الشراريب» ذات الروائح الكريهة والمقززة التي تثبت رائحتها على فرش المسجد وتذهب بالخشوع والسكينة.
وإذا أتيت إلى آداب المصحف فذاك باب آخر من ضعف السلوك ونقص التربية عند بعضنا، فتجد بعض المصلين يقلب صفحات المصحف بإصبعه مستخدما ريقه لتسهيل تقليب الصفحات، وهذا في تقديري غاية في سوء الأدب مع القرآن الكريم، وكذلك وضع المصاحف مقلوبة أو في غير أماكنها وتكديسها دون مراعاة نظام ولا احترام للمصحف.
ولا ننسى هنا أيضا التدافع الشديد أحيانا وقت الخروج من باب المسجد الذي ربما عرض بعض المصلين لمخاطر، خاصة كبار السن والأطفال.
وعندما نطرح هذا الموضوع فليس ذلك من باب تبخيس حرص المصلين على شهود الصلاة مع المسلمين، فلأهل الحرص على فضل الجماعة نصيبهم من الأجر، لكن النية وحدها لا تكفي، وهذا المعنى أجمله الإمام الشافعي بقوله:
رام نفعا فضر من غير قصد
ومن البر ما يكون عقوقا
هذه ملامح عامة لبعض سلوكيات بعض المصلين، وللمساهمة في معالجتها أسوق المقترحات التالية:
أولا: فصل الحمامات عن أماكن الوضوء بحيث يكون الوضوء ملاصقا مباشرة لبوابات المساجد أو قريبا منها فلا يحتاج المتوضئ لإدخال أحذيته لمنطقة الوضوء ويكون هناك فاصل من البلاط يمتص ما علق بالقدمين من بلل قبل دخول المسجد، وهذه التجربة معروفة في بعض الدول، خاصة في ماليزيا ونتائجها الإيجابية واضحة.
ثانيا: تنظيم حملة توعية مستمرة على مدار السنة تركز على هذه الأخطاء وغيرها وتنبه المصلين إلى ضرورة إعطاء المسجد ما يستحق من تقدير ليكون فعلا الوجه الحضاري لهذا الدين، والملاحظ هنا أن الأئمة وبعض الوعاظ يلقون دروسا مهمة في الوعد والوعيد، وهذا مطلوب، لكن يندر أن يتحدثوا عن قضايا تتعلق بالنظافة واحترام المسجد وتشجيع المصلين على السلوك الإيجابي والتنبيه لخطورة إيذاء المصلين. وقد لاحظت مرة أن مجموعة من الشباب كانوا يوزعون عند باب أحد المساجد بعض النشرات الجميلة المزينة بالرسومات تدعو إلى وضع الحذاء في مكانه المخصص له «ضعني في مكاني»، ولكن التجاوب معهم كان ضعيفا مع الأسف الشديد. ولعل القائمين على المسجد يقفون من وقت لآخر عند بوابات المسجد ويمنعون بلطف أي مصل من وضع أحذيته في غير الأماكن المخصصة لها، وقد يخصص يوم في الأسبوع لذلك مثلا، فيبدأ الناس التعود على أن ذلك اليوم هو يوم وضع الأحذية في أماكنها الصحيحة. وأذكر مرة أني حضرت إحدى الصلوات في مصلى في أحد المستشفيات، فلما جاء الإمام قال إنه لن تقام الصلاة قبل أن يضع المصلون الذين وضعوا أحذيتهم عند بوابة المصلى في مكانها الصحيح، فخرج القوم لالتقاط أحذيتهم، وكان موقفا فيه الكثير من الدروس والعبر.
ثالثا: تعميم نفس تجربة التوعية على موضوع الحمامات لتنبيه الداخل إليها إلى ما يتعين عليه من سلوك وخلق يناسب هذا الدين الذي ينتسب إليه، ويبين له حجم الضرر الذي سيلحق بالآخرين من السلوك الخاطئ في هذه الأماكن والأضرار الصحية البينة التي قد تنجم عن ذلك. ويمكن أيضا تخصيص يوم من الأسبوع تحت مسمى «يوم الحمام النظيف» بحيث يشارك الجميع في نظافته، لكن مساهمتهم الأهم هي الانضباط في سلوكهم الذي إن حصل لن تكون هناك حاجة كبيرة للتنظيف.
رابعا: يخصص أيضا يوم في الأسبوع يقف فيه القائمون على المسجد عند البوابات وتنبيه أي مصل تظهر منه رائحة الدخان أو أي رائحة كريهة أو يلبس ملابس غير لائقة أو غير مناسبة للمسجد.
خامسا: تنظيم حملة خاصة بالعمالة البسيطة وخاصة الحراس وعمال المطاعم وعمال النظافة لتنبيههم بلغاتهم إلى السلوك والمظهر والآداب المطلوبة قبل الدخول إلى المساجد، ويمكن للأئمة أن يطلبوا من سكان كل حي أن يتبرعوا بثوبين بسيطين مع مستلزماتهما من الملابس الداخلية لتقديمهما هدية لهؤلاء الإخوة وتنبيههم إلى أن هذه الملابس خاصة بالمسجد والصلاة وأن يحافظوا على نظافتها بشكل مستمر.
سادسا: أن تنظم حملة عامة يستفيد منها ويشارك فيها كل سكان الحي تركز على أهمية الحفاظ على نظافة الحمامات.
سابعا: يمكن للجهات المعنية تنظيم مسابقات دورية تمنح بموجبها جوائز لأفضل المساجد التي يعتني أهل أحيائها بها ويظهرونها بالمظهر اللائق، تقوم به الجهات الرسمية وسكان كل حي وهو من جوهر التعاون على البر والتقوى.