طهران وما بعد نزع النووي
الاثنين، ١٤ أبريل ٢٠١٤
ليس أهم ولا أعز على طهران، من تحقيق أهدافها في الإقليم، وقوامها تأسيس قاعدة نفوذها، في قوس يبدأ من «قم» وينتهي في صور اللبنانية، مروراً بدمشق وبغداد، لكسر إرادة الأغلبية السكانية بتوظيف لئيم للخوف الأقلوي من طغيان أكثري مزعوم. وفي سبيل تحقيق هذه الغاية غير المسبوقة في تاريخ الأمم والإقليم، تتحاشى طهران الاصطدام بالقوة الأمريكية العظمى، وتسابق الآخرين للبرهنة على أنها هي التي تُسدي الخدمات الاستراتيجية الأهم للولايات المتحدة. فعلى هذا الصعيد، استأنست بنجاحها في تقاسم النفوذ مع الأمريكيين في العراق وتكريس قاعدة التوجهات المشتركة معهم في أفغانستان وفي اليمن، وقدمت الأنموذج التصالحي الناجع، مع الحفاظ على عداوة لفظية مُتفق عليها بينها وبين أتباعها من جهة، والأمريكيين من جهة أخرى، على النحو الذي يجعل تابعهم في العراق، طليقاً في الهذر والإفاضة في الحديث عن وجوب الدفاع المستميت عن «محور المقاومة والممانعة»!
مفاوضات طهران مع مجموعة خمسة زائد واحد، حول ملفها النووي؛ تبشرها بحُسن المسار. وفي استبشارها هذا، تتغنى بقرب تحقيق هدف يتيم، بينما تتكتم على هدف آخر شقيق له، إذ تُجاهر بأن التسوية التي تشطب بشكل حاسم، احتمالات الاستخدام العسكري للطاقة النووية، ستتيح لها ميزة الدخول إلى عالم التكنولوجيا النووية ذات المنحى السلمي الذي يفيد الاقتصاد، مقابل رفع العقوبات. أما الهدف الذي تتكتم عليه، فهو إطلاق يدها في سوريا وفي الإقليم، ليصبح الأمر رهناً بقدرتها على الحسم بالنيران وبالدسائس، في عملية ذبح الشعب السوري وشطب إرادته وإعادته إلى زمن الرضوخ للاستبداد الفاجر. وبات الأمريكيون في الآونة الأخيرة، يتحسسون فداحة التماشي مع المشروع الإيراني، ويتصرفون كالمريب الذي أثقلت عليه الهواجس فأصبح معنياً بالدفاع عن نفسه. ولعل هذا هو ما جعل الرئيس أوباما يبادر إلى دحض كل المؤشرات على أن واشنطن تساعد على إطلاق يد الإيرانيين في سوريا. فقد تطوع للشرح قائلاً إن محادثات خمسة زائد واحد مع طهران، انحصرت في الملف النووي دون أن تتجاوزه إلى أي أمر يتعلق بدورها في الإقليم. غير أن المؤشرات ظلت تفعل فعلها وتتزايد: استمرار التجاهل لوقائع القتل الجماعي للسوريين وتلافي الاصطدام بالإيرانيين وأتباعهم، والتغاضي حتى عن التلكؤ في تنفيذ الاتفاق حول السلاح الكيميائي الذي استخدمه النظام ضد شعبه، وتوفير المساندة لجماعة طهران في بغداد علماً بأن جزءاً كبيراً من الشيعة بات يتبرم من هؤلاء في الوقت الذي يستقوون فيه على العراقيين جميعاً.
للأسف، كان الموقف الأمريكي الذي يلامس التواطؤ، سبباً في عودة الرئيس الإيراني حسن روحاني عن خطته للوصول إلى قواسم مشتركة وتفاهمات مع أقطار الخليج العربية. وكان الإرهاب الأعمى، الذي اعتمدته مجموعات الغلوْ في الدين أو التلطي به، سبباً أسهم في زيادة القواسم المشتركة والمهمة، بين الأمريكيين والإيرانيين، وهو أذى يُضاف إلى كل أشكال الإيذاء التي أوقعتها هذه المجموعات، في الأمة وفي سمعة الإسلام عند الجاهلين به!
القيادة السعودية استعصت على محاولات الخداع الإيراني للوصول إلى تفاهمات سطحية من شأنها توسيع هوامش المناورة لصالح طهران. وفي الوقت الذي يحرص فيه السعوديون على علاقات جوار طيبة مع الشعب الإيراني ومع النظام السياسي في طهران؛ فإنهم ينتظرون مؤشرات إيجابية وذات أهمية على صعيد المسائل الجوهرية، تدل على انكفاء طهران عن التدخل في الإقليم. فقبل ذلك سيكون التفاهم معها والانفتاح عليها سبباً في مفاقمة الأوضاع في الأقطار العربية المستهدفة. ونلاحظ أن إيران تناور في ديبلوماسيتها، وتحمل معها مشروعات أنابيب الغاز، في محاولة لاختراق الصف الخليجي. فقد اعتمدت المملكة العربية السعودية موقفاً مسؤولاً لحماية الخليج والمشرق العربي وحماية مصالح شعوبه، في الوقت الذي تبذل فيه طهران محاولات تأسيس شراكات مع سلطنة عُمان وقطر. وظل الموقف السعودي هو ضمانة تعزيز الأوراق العربية الضاغطة لكي يكف الأمريكيون عن اللعب في المربع الرمادي حيال الوضع الإقليمي عموماً وحيال الصراع في سوريا، بعد أن ينجزوا الاتفاق مع طهران حول الملف النووي. إن موقف أي بلد عربي آخر، يساعد على توسيع هوامش المناورة الإيرانية، من شأنه إلحاق الأذى بالمجموع بمن فيه شعب هذا البلد. فالإيرانيون من جانبهم، لا يتوقفون عن محاولات اجتذاب الأمريكيين إلى صفهم، والأمريكيون يستجيبون طالما أن أي قاسم مشترك يفيدهم. فها هم يرمون صنارة اصطياد قاسم مشترك جديد مع الولايات المتحدة في لبنان لطي ملف النزاع الأهلي قبل أن ينفجر، بتفاهم يكرس هيمنة السلاح الآخر والحزب المقاتل في سوريا. إن الديبلوماسية السعودية هي التي تواجه كل هذه السيناريوهات، لذا يريد الإيرانيون تقارباً معها بلا أي فحوى استراتيجي لصالح العرب وشعوبهم، وهذا ما تجد السعودية ألف سبب لرفضه مع الاستعداد لتفاهمات على قاعدة الاحترام المتبادل، تضع حداً للجموح الإيراني!