الفضاء يجعل الفرد معادلا للجماعة

توضح خبيرة العلاقات الدولية نازلي شكري في كتابها المعنون «من الدولة إلى الفرد» أن الفضاء الالكتروني خلق واقعا إنسانيا جديدا يمثل تحديا للنظرية السياسية المعاصرة في العلاقات الدولية، وكذلك على مستوى رسم السياسات والممارسات العملية‮، مشيرة إلى أن هذه التحديات تمثلت في عنصر الوقت،‮ ‬وقدرة التكنولوجيا على الاختراق،‮ ‬والارتباط،‮ ‬والتشبيك‮، ‬ومن ثم ‬ظهرت السياسات الالكترونية‮ أو الفضاء الالكتروني.‬ وهناك تداخل بين واقعين، بحسب المؤلفة يتمثل الأول في السياسة بمفهوم القوة القادرة على إحداث التأثير بين الفاعلين (حكاما ومحكومين)، أي تحديد من يملك القدرة على تنفيذ إرادته،‮ ‬وحجم هذه القدرة وحدودها، والواقع الثاني يشير إلى مجال جديد من التفاعلات الإنسانية بكل ما تحمله من شروط وتنافس‮ بين شركاء المجال.
وترى شكري أن الفضاء الالكتروني عمل على تقوية فاعلية الفرد في مواجهة الدولة،‬ وقد بلغت هذه الفاعلية،‮ ‬التي تقوم أساسا على إتاحة وصول الأفراد إلى المعلومات والمعرفة في عصر الانترنت،‮ ‬إلى الدرجة التي لا يمكن للدولة مهما كانت قوية أن تتجاهلها، فقد وضعت التكنولوجيا الأفراد العاديين من مستخدمي شبكة الانترنت في وضع جديد تماما حيث يستطيع من يملك التعامل مع وسائل الاتصال الحديثة أن ينشئ شبكات تتجاوز حدود الدولة والقومية،‮ ‬ما أدى إلى تراكم عناصر القوة التي امتلكها الأفراد‮.‬ ومن ثم،‮ ‬أصبح لازما على منظري العلاقات الدولية الاهتمام بشكل كبير بالفرد كمستوى تحليلي أكثر مما كان في النظرية السياسية التقليدية‮.‬
في الفصل العاشر والأخير مجموعة من الاستنتاجات المهمة التي توصلت إليها المؤلفة، منها: أن التنامي المتزايد للفضاء الالكتروني مكن أصواتا جديدة – لم يكن أحد يسمع بها في السابق- من التواصل وتبادل الخبرات،‮ ‬وأتاح لها فرصة وجود موقع ومكانة (ظلت مهدورة لعهود من الزمان) على الشبكات الاجتماعية العالمية، متابعة أن هذه الأصوات يسرت بدورها تطوير محتوى المعرفة الإنسانية الجديدة والحكمة الجماعية المنشودة، كما وفرت مساحات وفرصا جديدة للمطالب والشكاوى الجماعية ناهيك عن الالتفاف حول أزمات كونية ومشكلات إنسانية مشتركة من ناحية،‮‬ وساعدت المؤسسات الدولية مثل منظمة الأمم المتحدة على الاستجابة لهذه الأزمات‮ من ناحية أخرى، ففي ظل «مسامية الحدود» لم يعد هناك داخل وخارج وأصبح صوت الفرد معادلا لصوت الجماعة.‬