تضخم الجيوب وفراغ العقول!

المال عصب الحياة، وله دور مهم في استقرار وطمأنينة الفرد، وتجنيبه مهاوي العوز والحاجة؛ ليعيش عيشة كريمة، لا يمنّ عليه أحد بعطاء مجذوذ.
والمال في نهاية المطاف وسيلة لسد الحاجة وتحقيق المآرب وليس غاية، لكننا نرى أقواما جعلوا المكاسب المادية هدفا أساسيا، يعملون ليل نهار من أجله، حتى تضخمت جيوبهم بما حوت، بمقابل ضمور عقول بعضهم، مما حولهم لعبيد لدى سيدهم المال.
هناك من يملك الملايين وحينما يتحدث يأتي بالعجائب، فكر خاو، وثقافة ضحلة، وسطحية في الطرح يشمئز منها صاحب العقل السليم، ومن ينصت له ويمجده، لا ينظر لقوله بل عينه على جيبه؛ عله يحظى بقرب يكسبه نزرا يسرا من المال.
ومع كل هذا تجده معجباً بنفسه، يظن أنه فعل ما لم يستطع فعله أبناء جيله، فيشعر بأنه مختلف ومتميز، وفي طبقة أعلى وأرقى، تحتم على الجميع احترامه، وتقدير مكانته الباذخة، وما ذلك إلا بسبب نقص يعيشه داخليا، يريد تعويضه بمظاهر كاذبة.
تجد أحدهم بلغ من العمر عتيا، ولا ينفك يلهث خلف الدرهم والدينار، كأنه سيُعمر ألف سنة، الغريب أنه يحرم نفسه التمتع بما يملك، ويُقتر على أهله وأولاده، فيعيشهم في ضيق وحاجة، قد لا تنتهي إلا بعد رحيله، ثم إنه لا يأبه بحال الفقراء من الأقارب والأباعد، بينما قد يكون كريما حد الإسراف حين يدعو شخصا ما يعتقد- من وجهة نظره- أنه مهم وجدير بالحفاوة وحسن الضيافة. مثل هذه التصرفات وما شابهها تنم عن جهل، وعدم أدراك لواقع الحياة، كما تعني أن حب المال لدى بعض الناس قد تجاوز المعقول، ووصل القلب، فران عليه وتملكه.
إن العقل لا يزدان بكثرة المال، وزيادة الأرصدة في البنوك، بل بالعلم والحلم والثقافة، فما أجمل المال حينما يديره عقل راشد، وقلب عطوف يجعل اليد تمتد للفقير والمسكين والمريض، فتمنحهم ما يساعدهم على نوائب الدهر. فدعونا نقيم الناس بما يملكون من الحكمة والعقول الناضجة، لا بما نراه في جيوبهم.