جلال الدين الرومي والصورة النمطية

الكثير منا سمع وضحك ملء شدقيه على ما قاله قبل أيام أحد نواب مجلس الأمة الكويتي، حينما طالب بحزم بإيقاف أمسية شعرية ستقام للفيلسوف جلال الدين الرومي في أحد الفنادق على حد قوله! ومضى النائب في التهجم على أفكاره التي ستغزو الكويت، وأشعاره الفاسدة، وهو لا يعلم أن الفيلسوف آنف الذكر متوفى منذ ثمانية قرون!
هذه القصة الطريفة -التي ذكرتني شخصياً بمطالبة نائب كويتي سابق أيضاً في سنة 2007 بمنع الشاعر معروف الرصافي المتوفى في أربعينيات القرن الماضي من دخول الكويت- أقول، هذه القصة تحمل في طياتها دلالات محزنة لما قد يحصل حين يكون النقص المعلوماتي حليفاً للرغبة في تجييش المشاعر وكسب فئة معينة من الجماهير، أسوأ من هذا هي تلك الصورة النمطية التي قد نحملها تجاه شخص/ قضية ما، ثم نتعامل مع الآخر بناء على تلك الصورة التي تكون خاطئة في معظم الأحيان دون أي محاولة لتحريك القطعة المستقرة في الرأس المسماة “دماغ”!
كم سنخسر لو أننا بدلاً من خوض المعارك مع المخالف، راجعنا تلك الأفكار وعملنا على تطويرها وصقلها سوية؟ ماذا لو قرأنا عن الفكر المضاد قليلاً وحاولنا أن نفهم سبب تنافرنا قبل الهجوم الأعمى؟ حسناً ماذا لو أننا رفعنا من معايير اللعبة قليلاً وتركنا استيراد الأفكار من الماضي وكوّنا صورتنا الفكرية الخاصة التي لا تخضع تحت أقدام مفكر أو شيخ أو جماعة أو أي كان؟
كثير من صور الحرية الفكرية مهددة خصوصاً إن كان صاحبها مبتدعاً أو مختلفاً عن خط سير الآخرين، وهو ما يفسر الطبيعة البشرية الأصيلة في مهاجمة المفكرين والفلاسفة وأرباب التغيير على مدى التاريخ. وهذا ليس بالأمر الغريب أو الشاذ، فالتبعية الفكرية تعتبر لدى معظم البشر مخرجاً سهلاً للابتعاد عن خطيئة التحرر من قيود المجتمع والأسلاف.
يتذكر الكثير منا ملابسات مقتل المفكر فرج فودة الذي تم اغتياله بسبب اختلافاته المتكررة مع المتشددين، حيث ذكرت محاضر التحقيق أن أبا العلا عبد ربه -أحد مدبري عملية الاغتيال- لم يقرأ أصلاً كتب فرج فودة! نفس القضية حدثت بشكل مشابه للروائي الحائز على جائزة نوبل نجيب محفوظ حين حاول متشددون اغتياله، وحين سأل القاضي أحدهم ما الكتب التي قرأتها لنجيب محفوظ ودفعتك لمحاولة قتله؟ أجاب بأنه لا يقرأ ولا يكتب! هاتان القضيتان ليستا إلا قطرة في بحر أحداث ونزاعات عديدة دافعها الأول هو التبعية العمياء للآخرين دون أية مشاركة في تشكيل الفكر الشخصي.
إن الخوف من التفكير كان ولا يزال العائق الأكبر لتطور الحضارات وازدهارها، هذا الخوف الذي سهّل للتيارات والأحزاب المختلفة السيطرة والتحكم بعقول الجماهير على مدى القرون لتوجيهها مع أو ضد أي قضية أو شخصية. التفكير خارج السرب تم اعتباره في كثير من الثقافات والأديان إثماً ووبالاً على صاحبه، وأدى في معظم الأحيان لمحاكمات صارمة تسجن العقل والعقلاء.
ومن الطبيعي الآن أن تحاصر هذه التراكمات التاريخية الأفكار الجامحة لأي فرد، وتخنقه قبل أن يحاول الابتداع في صورة نمطية مستقاة من أسلافه حول أي قضية يدرسها، لذا فهو يستمد طاقته من هذه الصورة لا إرادياً. وحتى إن حاول الخروج قليلاً عن الإطار. لن تلبث أن تصبح النتيجة الفكرية مستنسخة ومشوهة لا جديد فيها.
في المحصلة، التضييق الفكري الذي مورس دوماً كان نتيجة طبيعية للرضوخ تحت الدكتاتورية الفكرية السياسية، والتي لم تتخلص منها المجتمعات والشعوب إلا في العصر الحديث، فكانت الديموقراطية الوليدة في القرنين الأخيرين دافعاً أولياً للحرية الفكرية والانعتاق من أغلال الماضي وبالتالي تطور الحضارة البشرية بمجملها وانفجارها علمياً وصناعياً وتقنياً.
الخوف من الإبداع الفكري هو دافع فطري تفرضه غريزة البقاء ويعززه الجهل، فالإنسان البسيط الذي يشغل فكره كيف يأكل وأين يعيش لا يُفترض به أن يستغرق حياته في التفكير بأمور سبق لأجداده التفكير بها واستخلاص النتائج، ويكفيه تناولها على شكل كبسولات فكرية ثم يمضي قدماً لتحصيل قوت يومه.
وعوداً على قصة أخينا في الله جلال الدين الرومي، الذي بالمناسبة تم تفسيقه وتكفيره لأنه خرج عن صورتهم النمطية التي رُسِمت له، فيقول جلال الدين في رباعياته: «إن تكن تبحث عن مسكن الروح فأنت روح، وإن تكن تفتش عن قطعة خبز فأنت الخبز، وإن كنت تستطيع إدراك هذه الفكرة الدقيقة فسوف تفهم أن كلّ ما تبحث عنه هو أنت».



شاعر ومدون