كلنا نبحث عن الأفضل

ولكننا نتسرع ونتمادى في أمنياتنا، مهما كانت لامعة بصواعق الخوف، وملتفة بسحب الغباء، ومنسكبة في شلالات المستحيل، فما أجمل الوسط والأوسط والوسطية، وما أكره الطرف والحدة والسير على الحافة، والكذب تجملاً، والظلم والتجني دفاعاً عن قصور أفكارنا، وما أبشع أن نتوحش ونَفْجُر في إقصاء من يخالفنا.
الشعب السعودي فتحت عليه نوافذ الريح والصقيع والعواصف، وهو من استحم للتو في نهر الحداثة، ولم يتجهز بما يقي من النزلات والرشح وذات الرئة.
النوافذ المشرعة كثيرة عظيمة، بعضها إعلامي يتأرجح بين رياح المع والضد، وبعضها نوافذ تواصل اجتماعي مبتلة بشكوك يصعب تنقيتها، فخلطنا الدين بالموضة، والعلم بالشعوذة، والحرية بالبطاطس! وسبرنا مواقع انترنت لا تجلب لنا النزلات والرذيلة فقط، ولكنها تحقن العقول بسموم الغباء، وتصيبنا بجنون أعتى من جنون البقر!
كثير من الأفراد بيننا أعجبوا بآراء جديدة براقة اكتشفوها في خضم تلك النوافذ، وكانوا قد عانوا قبلها من العزلة والحجر، وملوا من رتابة الصوت الأوحد، فشعروا وهماً بأن نشاز النوافذ الجديدة لسانهم الناطق، وعصارة عقولهم العطشى للتنظير.
كل من سمع جملتين حفظهما وتبنى معانيهما، رغم أن أساس وعيه ما يزال هشاً، وأنه لم يمتلك بعد القدرة في الحكم على الأمور بوسطية وعدالة ومنطق، وحرص وأمانة على نفسه وعلى مكتسباته وأمنه ووطنه.
البعض يتبرم بمبالغة من أحوالنا السياسية، والمعيشية، وكأننا نعيش على صفيح جمرٍ متقد، وهو بالمقابل لا يفكر كيف يطفئ ما يراه، ولكنه ينتقد ويقذف بكل جميل حوله إلى بؤرة اللهب، ويزيد من اضطرام الحيرة، وينفخ بملء فيه غير عابئ بما قد يكون!
وحتى لا يفهمني بعضكم بغير ما أقصد، فأنا أقِر بمدى ما يدور حولنا من الفساد الإداري والمالي، وأعرف خلل التعليم والصحة والخدمات، وتنامي العنصرية، والطبقية بمجتمعاتنا، وأن بعض تحركاتنا السياسية لا تكون كما نتمنى، وأعرف حقيقة ما نعانيه من الضيق المعيشي والحيرة والإحباط، وما يحيط بنا من خوف مستقبلي، ولكن، هل يمكن معالجة ذلك بصب الزيت على النار؟!
أما من طرق أرقى وأكثر وسطية نتبعها جميعاً، مسؤولاً ومواطناً لنصلح نقاط الخلل شيئاً فشيئاً ودون الوصول بالبلد والمواطن إلى ما وصلت إليه أحوال بعض الدول العربية من ضياع وهلاك ودمار؟
تلك الدول التي استخفت واستعجلت الحلول، فنالت القليل، ثم تخبطت في الكثير، وتاهت في دروبها أمنيات الوصول إلى الوسطية، وغاصت في عظيم المعضلات، فاستلم أمورها من لا يخاف الله، ومن لا يراعي حرمة الإنسان!
الربيع العربي كان حمم بركان أمام من تسارعوا للقفز إلى جوفه دون وعي، ولو سألت أغلبهم لبكوا دماً بأعينهم من مغبة ما آلت إليه أحوالهم.
الوسطية حتى في المطالبة بالإصلاح مطلوبة، والاحترام للواقع وعدم التجني مطلوب، والقناعة بالمكتسبات ضرورة.
أنا لا أقول للشعوب ألا تتأمل الأفضل، ولا أطلب من المصلحين أن يكتموا نظرياتهم، وألا يبدعوا في رسم خطط مستقبلية لأوطانهم محملة بأحلام السلام والأمان والرخاء، ولا أن يتوقف الحقوقيون من البحث عن الأفضل، ولكنني أتمنى أن يكون ذلك على يد من يدرك بمحبة للوطن، وممن يمتلك الأدوات، ومن داخل الدار وليس من نوافذها الخفية، فلا يستخف بنا الجار، ولا يستغل ثغرات وعينا بعض الفجار.
واجبنا كشعب واع أن نرأف بحالنا ومآلنا وبمستقبل أبنائنا وأحفادنا، وألا نجري مهرولين خلف كل من نعق، خصوصاً من نعرف أن تاريخه أسود بتخبطه بين الأمس واليوم، وتناقضه في مثالية ما يطالب به، ولا يطبقه على ذاته، فيستخدم أي وسيلة، ويغلفها بالكذب وادعاء الوسطية.
التقصير الحكومي والإداري موجود هنا وهناك، ونحن نتمنى أن تتم معالجته ذاتياً، ومن استعجل على ناره أكل طعامه نيئاً ليبتليه بأكثر من الصبر على الجوع، أو أن يأتيه محترقاً فلا يلقى بعد طوى ليله إلا لَظى الفحم المضطرم.