بطالة أكاديمي.. حكاية حقيقية برواية رسمية!

أحياناً تصاب بالدوار و»الفهاوة» من تكرار الأخبار التي تقترح حلولا منطقية لكثير من المشاكل، وتجد كل مؤسسة تؤمن بجدوى هذه الحلول لكنها - كما تقول- ليست جهة تنفيذ، وكمثال على هذه «الحوسة» ما ذكره الدكتور مشبب القحطاني وكيل وزارة الخدمة المدنية للتخطيط وتطوير الموارد البشرية (لصحيفة الاقتصادية) من أن هناك جامعات حكومية طلبت عشرات التأشيرات لاستقطاب أساتذة لتدريس اللغة العربية والدراسات الإسلامية، في ظل وجود قائمة كبيرة من أصحاب تلك التخصصات العاطلين، الموجودة بياناتهم لدى قوائم وزارة الخدمة المدنية، مشيراً إلى أن شغل تلك الوظائف بسعوديين بدلاً من أجانب أمر خاص بالجامعات، وليس من مسؤوليات وزارة الخدمة المدنية. انتهي كلامه..
وإعادة صياغة الجملة لتكون (الجامعات السعودية ترفض توظيف العاطل السعودي وتستعين بالأجنبي) ستكون صياغة صحيحة أيضا، فوكيل الوزارة يتحدث عن تخصصات ليست دقيقة أو نادرة، إنما لغة عربية ودراسات إسلامية، أي التخصصات التي دأبت هذه الجامعات على تخريجها طوال عقود، وفي المقابل يشير إلى قوائم من المؤهلين أكاديمياً في قوائم الوزارة يعانون من البطالة لأن الجامعات تريد أجنبيا لتدريس اللغة العربية!
الدكتور القحطاني قال فيما يُشبه التبرير (إن خريجي الدراسات العليا في حين شغلهم وظائف حكومية يفكرون في الخروج من اليوم الأول في حال عثروا على عروض لدى الشركات الخاصة)، وهذا التبرير أصابني بدوار البحر رغم أني أسكن بمدينة صحراوية جافة حد العطش، ولن أسأل المُبَرِّر هل سيتمسك بوظيفته لو حصل على عرض أفضل يؤمن له مستقبله، لكني أشك بعقل من يرفض العرض الأفضل الذي يعلم أنه مناسب له، وبحكم أنني (بلدي) فلا أدري هل ثقافة (الأجانب) تحتّم عليهم البقاء في المكان الواحد طول العمر ورفض أي عرض مغر من القطاع الخاص، لكن رأيي المتواضع أن من لا يملك الطموح للأفضل لا يستحق أن يتم التعاقد معه من الأساس!
هذا العذر ليس جديداً بل أنه أحد أعذار القطاع الخاص الكثيرة، ولأن أكثرها شهرة وترديداً بين (رجال المال) هو أن الشاب السعودي غير مؤهل بسبب تردي مخرجات التعليم، حتى أصبح (بفعل ترديده) كأنه حقيقة لا تقبل النقاش، لكن الجامعات (الحكومية) لا تستطيع أن تجعله مبررا، فلو قالته لانطبق عليها المثل (يداك أوكتا وفوك نفخ...!)، المعادلة الموجودة أمامنا الآن تقول (1- وجود وظائف شاغرة . 2- يوجد عاطلون مؤهلون لهذه الوظائف)، الإجابة البديهية شغل هذه الوظائف بالعاطلين، لكن الإجابة لدى الجامعات مختلفة فهي تتمسك بأن الحل في استقدام موظفين من خارج المملكة، والسبب..لأن السعودي (ربما) يجد وظيفة بمميزات مغرية فيترك الجامعة (لا يوجد ولاء)، أما الأجنبي فإنه (يحمد ربّه أن لقي أحدا يستقدمه!)، وبالطبع هذا اجتهادي الشخصي في إيجاد مبرر مقبول لهذا التصرف، أما الإجابة التي لا تحتمل الاجتهاد فهي موجودة عند (حذام) المتمثلة بالمسؤول عن هذه التعاقدات، فهو الوحيد الذي يمتلك الحقيقة، لكنني أشكّ بأنه يستطيع قولها!
أشعر بالحرج من أصدقائي رجال الأعمال (على افتراض أن لي صداقات من هذا النوع) عندما تجبرهم وزارة العمل على السعودة، وبنفس الوقت أهنئهم على (توثيق) مبررهم الأقوى، فالجامعات بعظمة لسانها وعضلة سنانها تتبرأ من خريجيها على الملأ، فهي تمنحهم أعلى الدرجات العلمية وتُراهن على جودة مخرجاتها لكنها لا تقبل بهم في حرمها، كيف؟ لا أدري..لكنني أخاف حد الفزع من توجيه السؤال للجامعات ووزارة التعليم العالي، والخشية ليست شخصية، بل من انفجار هذا (الأكاديمي العاطل) الذي اجتهد وتعب وبعد أن أثبت جدارته وتجاوز كل العقبات التي وضعها معلمه بـ(شهادة) المُعلم نفسه، وجد المعلم ذاته (ما يبيه!)، وهذه تُذكّر بالطُرفة التي حدثت في إحدى دول العالم الثالث،حينما دُعي أساتذة جامعة لمؤتمر علمي، وفي الطائرة التي ستقلّهم للمؤتمر أخبروهم أن الطائرة من صنع تلاميذهم، فهاج الأساتذة وماجوا واعترضوا، إلا واحداً كان مطمئناً في مقعده، فسألوه: هل أنت واثق أن الطائرة التي صنعها تلاميذك ستصل بسلام.. قال: لا.. لكنني مطمئن أنها لن تُقلع!

fheed.a@makkahnp.com