الخوف من كل جديد!
الخميس، ١٦ يناير ٢٠١٤
لست أدري من أين جاؤوا بهذه المسميات الغريبة: فكر جديد وفكر قديم، فكر أصيل وفكر دخيل، فكر شرقي وفكر غربي!
إن كل هذه المسميات لا عبرة بها ولا قيمة لها، إن الشيء الوحيد الذي يعرفه الإسلام هو: فكر نافع وفكر ضار، فكر صالح وفكر فاسد، فكر ملائم للشرع وفكر مناقض له.
إن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لم يكن يقبل شيئاً أو يردّه لأنه كان جديداً أو قديماً، أصيلاً أو دخيلاً، قادماً من بلاد الشرق أو قادماً من بلاد الغرب، إن معياره كان: المفسدة والمصلحة، المضرة والمنفعة.
وتعالوا نؤكد كلامنا ببعض شواهد السيرة والتاريخ:
فعندما أُخبر عليه الصلاة والسلام أن ملوك زمانه لا تقبل الرسائل إلا مختومة، بادر فاتخذ خاتماً نقشه: (محمد رسول الله)، ولم يمتنع عن قبول هذا النظام العالمي لكونه وافداً من بلاد الكفرة والمشركين!
ومع أنه عليه الصلاة والسلام خالف أهل الجاهلية في عوائدهم، إلا أنه لم يتردد عن قبول بعضها عندما لم تصادم شرعاً ثابتاً، كما حلف الفضول أيام الجاهلية، عندما تعاهدت وتعاقدت بعض قبائل قريش فيما بينها على نصرة المظلومين وإنصافهم وردّ الحق لهم. وكان تعليق النبي الكريم على هذا الحلف أن قال: (لقد شهدتُ في دار عبدالله بن جُدعان حلفاً ما أحبّ أن لي به حُمر النعم، ولو دعيتُ إلى مثله في الإسلام لأجبت).
وهكذا كان حال الصحابة الكرام رضوان الله عليهم فتابعوهم، لقد أخذوا عن حضارات الأمم السابقة كثيراً من الأنظمة والأفكار والتراتيب.
فعمر بن الخطاب أخذ نظام الدواوين من الفرس، ومعاوية بن أبي سفيان أخذ نظام البريد والحرس، وعبدالملك بن مروان أخذ نظام الشرطة وصك النقود بعد أن كانوا يتعاملون بالنقود الرومية والفارسية.
وهكذا كان المسلمون في عصورهم القوية الزاهية. كانوا من أكثر الناس انفتاحاً على منجزات الأمم السابقة من الهند وفارس والروم وغيرهم، وترجموا في سبيل ذلك كل ما وصل إلى أيديهم من أشهر كتب الحكمة والفلسفة والأدب والصنائع والحروب.
أكثر الناس اليوم موقفهم من مسألة الجديد والقديم على طرفي نقيض، بين الجافي عنه، والغالي فيه.
البعض عيونه في قفاه، مصوبة نحو الماضي البعيد، وعنده «رفضوية» حادة تجاه كل فكر وافد، حتى وإن دعت إليه ضرورات الحياة وحاجاتها الملحة.
تارة يرفضه بحجة الأصالة والخصوصية، وتارة بحجة أنه غزو فكري يراد به سلخ الأمة عن عقيدتها وثقافتها!
وفي المقابل هناك من هو مهووس بكل قادم من بلاد الأجانب، من دون أي تحفظ واحتياط، ودون أي ريثٍ ومهَل.
وإذن؛ فنحن لسنا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، إن الحكمة تبقى ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها كما ورد في الحديث الصحيح.