أصوات تمتلك مفاتيح القلوب
الخميس، ١٠ أبريل ٢٠١٤
ثمّة أصوات تملك نسخةً أصليّةً من مفاتيح قلوبنا. بعضها لا يعتاض عنه... فإن أدرجت في أرْمَاسِها؛ ذهبت قطعة من قلوبنا مع ناسها. قد يكون الصوت نغمة حبيبٍ أثير، أو صديق مقرّب.. أو ربّما ترنيمة مؤذن بمقام الحجاز يملأ الدّنيا جلالا، أو تجلّيات قارئ في الحرم؛ يصدع القلوب، ويدعها «بليلةً» تنطف خشوعًا.
تغرورق عيناي، وتقلّني سحابة من الشّجا حين أسمع صوت الإلهامات والتجلّيات الروحية في صوت إمام الحرم الجديد، شيخنا: بندر بن عبدالعزيز بليلة.
سفير سماوي، ومزمار من مزامير آل داود. كأنّ القرآن نزلَ للتوِّ!
كيف هبط هذا الصوتُ؛ كما يهبط الودْقُ على الأرض، وما أثره في نفسي؟!
كنت يومًا في طريقي إلى محافظة اللّيث، وكانت إذاعة القرآن في النقل المباشر لصلاة المغرب من الحرم المكّي الشريف.. ولمّا تُقَم الصلاة بعد، ثم أقيمت الصّلاة. أذكر جيّدًا المكان الذي سمعتُ فيه لأوّل مرّة هذا الصّوت العالي الفخم، وما تزال صورته قائمة في نفسي لم تعف آثارها روامس الأيام؛ صحراء جرداء صَحْصَح، بل مجاهيل ما ثمّة مَعْلَم إلّا الكثبان؛ والطريق والسيّارات التي ينوء بها فوق ظهره؛ وإقبال اللّيل يتخطّر على فراش الشّفق!
أصغيتُ لصوت ـ لا أدري والله كيف أصفه، لكنني سأصف أثره في نفسي ـ أنْسَانِي مشقّة السّفر، وأخذ بمخنق روحي من جرمي إلى أجرام السّموات.. فقَرُبت الشّقّة وزال الهمّ. تمنّيتُ والله لو لم تمت تلك اللحظة، ولعمر الله لكأنّ ملكًا دفَّ أجنحته علينا فأصابنا من نسيم الفلك الأعلى ما أصابنا.
يا سادة: لنرطِّب آذاننا، ولنبلّلها بسماع القرآن؛ فإنّها قد أُشْرِبتْ ما جعلها تتيبّس، فمن حقِّها أن تعود «بليلة» كما كانت حين أُذِّن فيها أوّل مرّة!
إنَّ هذا الطين اللّازب (القلب) الذي طال عليه الأمد، فقسا واربدَّ جانبه، وركبته الغفلات؛ لا يلينه إلّا القرآن، وسماعه من صوت يجعل جزيئاته «بليلةً» فترِقُّ.
عمّر نفسك يا ابن آدم، وبُلَّ صَدَاها، واجْلُ صدأها؛ بالقرآن الكريم، غذِّ روحك بالإصغاء لأصوات السّماء التي ترحض (تغسل) القلوب، وتدعها «بليلةً» تنطف خشوعًا.