حماقة بوتين القيصرية
الأربعاء، ٩ أبريل ٢٠١٤
الكتب المدرسية الروسية تُثني على بطرس الأكبر لأنه طور التصنيع ولأنه صاحب رؤية ثقافية حول بلده إلى قوة أوروبية. أصبحت روسيا بلدا يخشاه ويحترمه جميع جيرانها، وبطرس الأكبر هو القيصر-البطل الرسمي في تاريخ روسيا.
فلاديمير بوتين يشبه القيصر الروسي نيكولاس الأول الذي دخل خطأ في صراع مع البريطانيين والفرنسيين ورفض دعوات من أجل إصلاحات أساسية كان البلد يحتاجها لتمكين روسيا من المنافسة مع القوى الدولية في ذلك الوقت. نيكولاس الأول كان صاحب منظور ضيق وشخصية متغطرسة. كان يهتم دائما بالقوات المسلحة والشرطة السرية، ولم يكن يهتم بالحاجة الأوسع لتحديث الاقتصاد والمجتمع الروسي. بلاده دفعت ثمناً باهظاً لهذا عندما انهزم جيشه في حرب شبه جزيرة القرم في الفترة 1853-1856.
السياسة الروسية في عهد الرئيس بوتين تُبدي قدراً مساويا من انعدام البصيرة. بالنسبة لأوكرانيا، عرض الروس في أوكرانيا الغربية للخطر من الفاشيين الذين كانوا يؤثرون في التطورات السياسية في كييف. علاوة على ذلك، قام جوزيف ستالين بترحيل نسبة من سكان شبه جزيرة القرم من التتار إلى آسيا الوسطى في 1944 ولم يُسمح لهم بالعودة إلى بلادهم إلا في أواخر ثمانينيات القرن العشرين. وقد امتنعوا إلى حد كبير عن التصويت في الاستفتاء الأخير حول الانضمام إلى الاتحاد الروسي. معظم هؤلاء التتار من المسلمين وبعض شبانهم قد يتجهون إلى الجهاد ضد الإمبريالية الروسية.
باقتطاعه 4.5% من الأراضي الأوكرانية، عمل بوتين على تحطيم مشروعه بتشكيل “الاتحاد الأوراسي” بقيادة روسيا. كان يخطط في فترة من الفترات للحفاظ على فيكتور يانوكوفيتش كرئيس عميل له في كييف. الآن يانوكوفيتش لاجئ في مكان ما في روسيا، والحكومة الأوكرانية تقوي تعاونها مع الاتحاد الأوروبي.
هذه كارثة بالنسبة للسياسة الخارجية للسيد بوتين. مع أنه يخفي هذا عن الناس، لكنه لن يستطيع أن يخدع كل الناس كل الوقت.
أكبر حساباته الخاطئة تتعلق بروسيا نفسها. حالة الطوارئ بسبب أوكرانيا هزت الأثرياء في روسيا وجعلتهم يحولون مزيدا من ثرواتهم إلى الغرب. وقد تم تحويل حوالي 70 مليار دولار هذا العام فقط من روسيا إلى الخارج.
السيد بوتين كان يفاخر بأنه حقق الاستقرار في روسيا بعد سنوات من الاضطرابات في عهد الرئيس بوريس يلتسين. هروب رؤوس الأموال بهذا الحجم يشير إلى منحى مختلف. البنك الدولي يحذر أن معدل النمو سيتراجع إلى نصف المتوقع في ورسيا إذا استمر بوتين في سياسته الحالية تجاه أوكرانيا.
ظاهرة هروب النساء يجب أن تقلق الرئيس الروسي بنفس القدر. مئات الآلاف من ألمع الشباب الروس غادروا روسيا إلى وادي السيليكون، نيويورك، ولندن. هذا يحدث منذ انهيار الشيوعية، لكن السيد بوتين لم يفعل شيئا للحد من هذا التوجه. وكذلك لم يفعل السيد بوتين شيئا لتنويع وفتح الاقتصاد الروسي. منذ سنوات يسلط الاقتصاديون الروس والأجانب الضوء على الحاجة إلى يتجاوز البلد الاعتماد على صادرات المواد البتروكيماوية. على روسيا أن تصدر السلع ذات التكنولوجيا العالية، وليس فقط النفط والغاز. والقوة المنافسة التي يجب أن تنتبه إليها ليست الغرب ولكن الصين التي يُتوقع أن تصبح قوة عظمى في الوقت الذي تتعثر فيه روسيا.
فرص روسيا في المنافسة كانت دائما تعتمد على التعاون مع الدول الغربية التي تملك التكنولوجيا المتطورة. ممارسات السيد بوتين في شبه جزيرة القرم جعلت هذا احتمالا بعيدا. بوتين خسر مكانه في مجموعة الدول الصناعية الكبرى G8.
كانت هناك دائما شكوك حول نوايا بوتين في أوروبا الشرقية؛ أما الآن فأصبح هناك عداء مباشر. حتى اعتماد ألمانيا على واردات الغاز الروسي لم يمنع المستشارة أنجيلا ميركل عن تقريع السيد بوتين. الاتحاد الأوروبي يدرس بجدية كيفية التخلي عن الاعتماد على الوقود الروسي.
السيد بوتين بدأ هذا العام بعرض “القوة الناعمة” الروسية في أولمبياد الألعاب الشتوية في سوشي، حيث أظهرت العروض الختامية بلدا ذو ثقافة رياضية راقية وغير عدائية. في اليوم التالي، أرسل قواته إلى شبه جزيرة القرم. والآن يقول البنك الدولي إن روسيا قد تواجه ركوداً اقتصاديا بحلول نهاية العام. الدلائل تشير إلى أن السيد بوتين ووزير خارجيته السيد لافروف بدآ يفهمان تداعيات خطئهما الجيوسياسي. السيد لافروف بدأ على الأقل يتحدث مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري.
القوى الغربية لن تبدأ حربا جديدة في شبه جزيرة القرم، لكن لديها فرصا أكبر في ممارسة ضغوط على روسيا مما كان السيد بوتين يتخيل. سيكون من الأفضل إذا درس سابقة القيصر نيكولاس الأول.
- نيويورك تايمز