الشَّابّ محمَّد سرور الصَّبَّان
الأربعاء، ٩ أبريل ٢٠١٤
لمْ يَكُنِ الشَّابّ محمَّد سرور الصَّبَّان، سنة 1344هـ، واليًا، ولمْ يَكُنْ حاكمًا، ولمْ يُوَسَّدْ، بَعْدُ، سُدَّة الوِزارة، ولكنَّ التَّاريخ احتفظ له بمأثرةٍ هي أَهَمُّ وأَعْظَمُ وأَبْقَى: أن يكون أَبًا للثَّقافة الحديثة في الحجاز وفي المملكة العربيَّة السُّعوديَّة، وأن يَخْرج مِنْ عباءته الرَّعيل الأوَّل مِنْ رُوَّاد الأدب الحديث والثَّقافة الحديثة في البلاد، حِين أصدر ذلك الشَّابّ، ذو الثَّمانية والعشرين ربيعًا، كتابَيْ «أدب الحجاز» سنة 1344هـ 1925م، و«المَعْرِض» سنة 1345هـ 1926م، وضمَّ هذان الكتابان الصَّغيران شِعْرًا ونثْرًا لجمهرةٍ مِنْ الأدباء الشُّبَّان في الحجاز.
ويَستجلب النَّظر أنَّ كتاب «أدب الحجاز» تَمَحَّضَ بكامله لترسُّم خُطَى الأدب الجديد والثَّقافة الإصلاحيَّة في مصر والمهجر وبلاد الشَّام، وأنَّه آذَنَ بميلاد النُّخبة المثقَّفة بالثَّقافة الحديثة في شِبْه الجزيرة العربيَّة، وأنَّ الشِّعْر والنَّثْر اللَّذَيْن انطوتْ عليهما صفحاته يكشفان لنا أمرين معًا: مقدار ما أصابتْه طليعة الأدباء الشُّبَّان مِنَ الأدب الجديد، واستبسال هذه الطَّليعة مِنْ أجْل اطِّراح الثَّقافة التَّقليديَّة الَّتي تَأَثَّلَتْ جذورها في الحجاز، قُبَيْل مُنْتَصِف القَرْن الهِجْريّ الماضي، فرَأَيْنا في ذلك الكتاب الصَّغير كيف ثار الشَّابّ محمَّد سرور الصَّبَّان، ومِنْ ورائه خمسة عشر أديبًا، بما أخَذَ به الأشياخ مِنْ ضُرُوب القَوْل، ورأَيْنا كيف أَسْرَفَ الصَّبَّان في تلك الثَّورة، فَدَعا إلى اطِّراح تلك الثَّقافة القديمة الرَّاسخة، وشَدَّد على أصحابها النَّكير، وأَزْرَى بها وغَلَا في الإزراء.
وربَّما صَحَّ أنَّ نَرْفَع دعوة الشَّابّ محمَّد سرور الصَّبَّان إلى الثَّقافة الحديثة إلى زمن يسبق صُدُور ذَيْنِكَ الكتابَيْن؛ يومَ دعا إلى إنشاء صحيفة «الصَّفَا»، فلمْ يُوَفَّقْ إلى ذلك، ويومَ أخذ يُزَيِّن لأترابه ذلك الكلِم الجديد في «الوطن» و»الوطنيَّة» و»الأُمَّة» و»الإصلاح»، فباح بكلماتٍ ليس مِنَ السَّرَف في شيْء أنْ نَعْتَدَّها أَصْلًا للفِكْر الإصلاحيّ المتحرِّر في البلاد، وعلى أنَّه لا مَعْدَى لِمَنْ تَأَمَّلَ ذلك الكَلِم - بَعْدَ أنْ مَضَى عليه تسعون سنةً = أن يَعْرِف سَطْوة الأفكار الجديدة، في السِّياسة والثَّقافة والإصلاح، على عَقْل ذلك الشَّابّ الَّذي سيذكره التَّاريخ بأنَّه كان أَبًا للثَّقافة الحديثة والفكر الحديث في المملكة العربيَّة السُّعوديَّة.