عن الانحياز الذي لا مناص منه

لا يوجد شيء نفر منه أثناء تفكيرنا ونقاشاتنا مثل الانحياز: الانحياز للأشخاص، الانحياز للجماعة، الانحياز للمشاعر، وما إلى ذلك، لأن الانحياز يُعمي البصيرة عن الحجة المطروحة، ويجعلنا نرى بنظارات لا تعكس طبيعة الأشياء كما هي في الواقع. وربما سمعت من يزعم بكل ثقة بأنه «متحيز للحقيقة» فحسب ولا يبالي بكل ما عداها. التخلص من الانحياز أو تجنبه بقدر المستطاع بدون شك مهارة قوية نطمح لاكتسابها، إذا لايوجد عاقل يرضى أن يكتشف في نهاية الأمر أنه ضحية لنظاراته المخادعة التي لم تعكس الأشياء كما هي.
ولكن هل التخلص من الانحياز مهمة يسيرة؟ لنجيب عن هذا السؤال سنعود عقوداً للوراء ونراجع سريعاً ما كتبه الباحثون في الاقتصاد وعلوم النفس عما تصوروه نحو مفهوم العقلانية في السياق الاقتصادي والاجتماعي والسلوكي، والتي انبثق منها لاحقاً أحد فروع الاقتصاد فيما يسمى «علم الاقتصاد السلوكي».
النموذج الكلاسيكي للاختيار العقلاني نموذج مهم ومركزي في دراسات الاقتصاد. وفي جوهره يدور حول رفع المنفعة الذاتية المتوقّعة. فحينما يقبل الفرد على اختيار الخيار «العقلاني» فهو يقيّم جميع الخيارات المطروحة، ويختار على ضوء هذا التقييم الخيار الذي يرفع منفعته لأقصى حد، ولكن هذا النموذج الكلاسيكي يفترض أن الفرد قادر على التقييم بموضوعية وبدون انحياز. وعلى الرغم من التعديلات اللاحقة على النموذج الكلاسيكي للاختيار العقلاني، إلا أن أياً من التعديلات لم يصمد أمام برنامج البحث الذي اقترحته أبحاث العالمين النفسيين دانيال كنمان وآموس تفيرسكي الثورية حول الحدس والانحيازات عبر ورقتهم الشهيرة المنشورة عام 1974 والتي قادت كنمان للفوز بنوبل عام 2002 في فرع الاقتصاد!
كما هو واضح من عنوان الورقة «الأحكام في ظل الحيرة: الحدس والانحيازات»، فالورقة تهدف للتشكيك في قدرة الفرد على الحُكم العقلاني في ظل عدم اليقين، أو بمعنى آخر في سياق الحياة الواقعية. حينما نتخذ الأحكام اليومية عن الأشياء والأشخاص والحوادث فنحن لا نكتب معادلات إحصاء معقدة لنصل إلى حكم دقيق عما إذا كان الشخص الذي أمامنا يكذب أم لا. قدرتنا على اتخاذ الأحكام الموضوعية في سياق الحياة الواقعية محشورة في كم هائل من الانحيازات، لماذا؟ علينا أن ندرك أولاً أن الانحياز ليس سيئاً في كل الأحوال، فهو يسرّع عملية المعالجة المباشرة للمعلومات اليومية عبر «اختصارات حدسية» توفر عنا الكثير من الوقت والجهد. وهنا نجد الدور التطوري لهذا الحدس حيث إنه يعني بكل بساطة أن مواردنا العقلية محدودة، وأن علينا أن نستخدمها بأعلى كفاءة أمام تحدي البقاء، ومن هنا لا مناص من «الاختصارات» أو الأحكام السريعة المبنية على الحدس. في بعض الأحيان نجد أن في داخلنا حدسا خفيا مبنيا على تجاربنا السابقة يخبرنا بأن الشخص الذي أمامنا يكذب، أو أنه مريض أو ما إلى ذلك. هذا الحدس مهم جداً وكثيراً ما يكون صادقاً، ولكن الجدير بالذكر أنه ينبثق من دواخلنا دون وعي. لا نملك عملية حسابية نجريها لنعرف ما إذا كان الشخص الذي أمامنا يكذب أو مريضا، وما إلى ذلك.
الزبدة هنا هي أن الانحياز والاختصارات الحدسية ليست «انحرافاً» عن التفكير السليم، بل هي نظام للتفكير «السريع» نحلل به ونتعامل من خلاله مع القدر الهائل من المعلومات اليومية. الصورة ليست بهذه القتامة، فنحن بالمقابل قادرون على التفكير بشكل منظم ومنهجي عبر خطوات محددة (فكر مثلا في ناتج 45 × 12 بدون استخدام الآلة الحاسبة) فيما يسمى بنظام التفكير «البطيء». يعمل الدماغ البشري بتفاعل دقيق ومعقد بين هاتين المنظومتين في شد وجذب يشكلان أبرز وأروع قدراتنا الإدراكية وكذلك أبرز عيوبنا في نفس الوقت. وقد لخص دانيال كنمان في كتابه المبهر الصادر عام 2011 بعنوان «التفكير السريع والتفكير البطيء» أبحاثه وأبحاث زملائه التي توضح الدور اليومي والمصيري لهاتين المنظومتين والتفاعل المعقد بينهما.
الانحياز بالمجمل إذن داخل في تكويننا ويخدمنا بشكل يجعل عملياتنا الإدراكية أكثر كفاءة ومرونة. لا يمكن التخلص منه مهما ادعى الفرد أنه منحاز للحقيقة والحقيقة فقط. إذ إن الخلل إن سلم منه تفكيره فلن تسلم منه قنواته الحسية والإدراكية التي يستقي من خلالها معارفه عن العالم الخارجي. هل هذا يعني أن الحقيقة معدومة، وأننا نعيش في عالم مليء بالفوضى والذاتية فقط؟ بدون شك ليس الأمر كذلك، لأننا نعرف أن العقل كذلك يلعب دوراً أساسياً في حركة التاريخ وفي حياة المجتمعات. هناك حد أدنى من عمليات التبرير، والتي نجد فينا ميلاً -قد لا نستطيع فهمه- للخضوع لها وتبنيها وبناء معارفنا الأخرى عليها. نرى العالم اليوم يستبشع «القتل» بشكل أكبر بكثير - بل قد لا يقارن- بما كان قبل قرون طويلة حيث البربرية والوحشية في القتل والعنف هي الموقف السائد. ونفس المنحنى المتصاعد ينطبق على مفاهيم وممارسات كثيرة، مثل قدسية الحياة والحقوق الأساسية والرق وما إلى ذلك. فالحجج القوية والمقنعة -والتي ستؤثر في معارفنا وأحكامنا في نهاية المطاف- مهما كانت مقموعة ومخفية في المجلدات إلا أنها ستجد طريقها إلى الحياة والسيادة طال الوقت أم قصر.
ختاماً، نزعتنا الطبيعية لارتكاب الأخطاء في التفكير واتخاذ الأحكام تقابلها نزعات أخرى في تحري الاتزان والانسجام، فكما أن الصورة ليست بتلك القتامة، فهي أيضا ليست بتلك الوردية التي كثيراً ما نخدع بها أنفسنا ونخدع الآخرين معنا.