القمة 32 /2011.. ستر الخليج وقوته

في غضون السنوات الثلاث الفائتة بدءا من نهاية 2010 ومطلع 2011 حدث ما حدث من مفاجآت في بعض الدول العربية التي تشكل على الخريطة السياسية والطبيعية قبلها أهمية لدول مجلس التعاون الخليجي. تحولت المفاجآت سريعا إلى ثورات شعبية على ظهرها أفعال ومشاهد لم يكن حجمها متوقعا في تقديرات الغالبية، حتى وإن كان ثمة نسبة من توقعات الحدوث فإنها نسبية وفي الغالب ضئيلة وتستبعد انطلاق الثورات في الزمن الذي حدثت فيه، وأعتقد أن أصحاب التوقعات أيا كانوا لم يتخيلوا أن تقدح شرارتها وتدار معاركها بالأساليب التي شكلت عملياتها على الأرض بإيعاز من «الانترنت» أيضا، أظن أن نتائجها بالصورة التي انتهت إليها لم تكن قطعيا في حسبان بعض حكومات الدول التي كانت مسرحا لها.
من كان يظن منا أن يهرب رئيس دولة عربية ويترك كل شيء خلفه يتحرك بجنون في الشارع على إيقاع صرخة فتى يحترق من أجل لقمة عيش مباحة، ومن كان منا يتوقع أن يرى الناس يرقصون فرحا وغبطة على جثة رئيس عربي ترافقه الحراسة الثقيلة من كل جنس في كل مكان وكل زمان، الواقع يقول إن الجماهير في مكان آخر من جغرافيا الربيع رأوا أمنياتهم المحبوسة وهي مطلقة السراح في لحظة إحكام كلبش على يدي رئيس أمنه الشخصي الذي لا يرى آخره أوله. حتى الرئيس العربي الذي عمل كل ما في وسعه للاستئثار بكرسي الرئاسة في بلاده ولم يخف أحلامه في توريث الحكم خرج متنحيا بالقوة بعد أن رأى «بريق الخناجر في الماء».. رحل مجبرا وشعارات الغضب تطارده ارحل، ارحل -كلمات لا يضاهيها في التعبير عن الكراهية والحقد والتقزيم أي كلمات أخرى بأي لغة كانت.
سلسلة ثورات، سجلتها إرادة الشعوب تحت اسم الربيع العربي واستبعدت من هويتها نظرية المؤامرة، بعد تدوين أسباب اندلاعها ونسبتها بصراحة إلى أسباب داخلية على رأسها سوء الأحوال المعيشية وقمع الحريات وغياب العدالة الاجتماعية، وما إلى ذلك، هذا هو الانطباع السائد في أوساط الشعوب العربية عن ثورات الربيع ولا أبرئ الرأي العالمي من الأخذ بقاصي الانطباع ودانيه والقبول به كمحرك رئيس لكل ما حدث.
وفي السياق لا يمكن تجاهل ثورة سوريا، وعن سوريا ماذا يمكن أن نقول وقد تفرعن الدمار واستوطن عذاب الإنسان كل شبر من الأرض، سوريا أقرب في الوصف إلى مزرعة لتسمين التطرف ورعاية الإرهاب، إنها أقرب بكثير إلى أن تكون معملا لتصدير الموت البشع.
الشاهد، أن سلسلة ثورات متقاربة في التوقيت ومتفقة على الأهداف، بصرف النظر عن مدى ما حققته بشكل مباشر للثوار تملك قوة لفت نظر القادة العرب وتنبيههم إلى التداعيات، ولها من جهة أخرى أن تدغدغ مشاعر الشعوب الأخرى في أقل استنتاج يمكن طرحه.
إنها أحداث كان لها وما زال أن تفرض على الحكومات الخليجية سرعة التحرك والتحوط والنزول إلى أرض الواقع. على المستوى الخليجي كانت الفرصة مواتية لتقوية الأمن وتعزيز الاستقرار ومواجهة التحديات في مبادرة العاهل السعودي في قمة مجلس التعاون الخليجي 32 /2011 المنعقدة في الرياض بتاريخ 19 ديسمبر لعام 2011 «التحول من التعاون إلى الاتحاد». وكان فيها الخيار الأفضل لتحصين الداخل وضمان تحقيق الرخاء.
المبادرة ولدت ناضجة، بعد الوقوف على خريطة الخطورة واستشراف المستقبل من خلال معطيات الحاضر المعقدة، لهذا يجب العودة إليها عاجلا وتلبيتها بصوت مسموع، هذا ما تمليه الظروف لصالح دول الخليج وشعوبها. الاستقواء بالحليف الغربي لم يعد الخيار المناسب، الخيار الأفضل في تجاوز الخلافات البينية، والقدرة والقوة في الاتحاد.