البدلة الزرقاء حكاية قديمة قتلتها الحضارة
الأربعاء، ٩ أبريل ٢٠١٤
في السابق كان الرحال، المتنقل على قارعة المدن، يجوب الأمكنة حاملا معه الهموم والشكاوى وحقائب الشوق المختزنة في »رسائل«، منحت له من قبل أصدقائه أو أقربائه وحتى ذلك البعيد القريب من داره، ليقوم بمهمة حلقة الوصل.
ساعي البريد أو ناقل الرسائل العتيقة، لم يعد كما جسدته الأفلام والحكايات، ذا البدلة الزرقاء والحقيبة المعلقة على أحد جانبيه، رفيقته التي طالما أسعفت قدميه »دراجته الهوائية الرنانة«، وذلك الصندوق الحديدي أو ما يعرف بصندوق البريد وجامع رسائل الساعي.
فمن الماضي، حيث الأهالي على الضفة الجنوبية من خارطة الجزيرة العربية، كانوا يبعثون بقصائدهم وأخبار قراهم الصغيرة إلى ذويهم عبر أشرطة الكاسيت، نظرا للأمية المنتشرة آنذاك، في حين أن البيوت أو الأشخاص الذين لا تتوفر لديهم أجهزة التسجيل كانوا يمتهنون اللجوء إلى الدارسين في الكتاتيب ليقوموا بدورهم بمهمة نسج رسائلهم بلغة بسيطة مليئة بالشوق والخوف والسلام.
إلى أن حل المنقذ «ساعي البريد» الذي لم يكن حينها يتقلد منصبا رسميا من الدولة، بل ظل الساعي البسيط المسافر من البلدة، يكسر بجوده وكرمه حيرة الخطابات والرسائل العالقة.
البريد في الأزمنة القديمة وتحديدا في الفترة من منتصف القرن التاسع عشر، كان حكرا على الحكومات وأجهزة الدولة الرسمية، ويأتي ذلك متمثلا في الوثيقة التاريخية الأولى على الإطلاق، والتي تم فيها ذكر البريد، إذ إنها تعود إلى عهد الأسرة الفرعونية من الألف الثانية قبل الميلاد.
ومع تقدم العصور وتطورها واتساع آفاق الإنسان، تطور البريد فأصبحت تلك الرسائل القديمة أكثر عصرية وحداثة،حيث باتت تكتب على الورق وترفق في أظرف مذيلة بطابع البريد، حتى إنها انتقلت من «دراجة الساعي» إلى خزائن المركبات والقطارات، وحتى الفاكس.
أما الآن فقد أصبحت الرسائل تصل خلال ثوان عن طريق الانترنت وغيره من تقنيات العصر، الأمر الذي هدد بقاء «صاحب البدلة الزرقاء»، ليأخذ بيده نحو مؤخرة الذاكرة القديمة، وعلى حد قول أحلام مستغانمي «انتهى زمن الانتظار الجميل لساعي البريد”.
ولأنه ما زال حاضرا في الذاكرة وإن رثت، فإن الأدب العربي أيضا لم يهضمه حقه وجهوده التي لم تفن، فقد نظم نزار قباني قصيدة كاملة في ساعي البريد يقول فيها: «يا ساعي البريد..ببابنا، هَلْ مِنْ خطاب؟ ويقهقه الرجل العجوز ويختفي بين الشعاب، ماذا يقول؟ يقول: ليس لسيدي إلا التراب، إلا حروف من ضباب..أين الحقيبة؟ أين عنواني؟ سراب..في سراب».